📌 كيف يصنع المجتمع “الإرهاب”؟
قراءة في مسارات التطرف والقطيعة الاجتماعية.
ضمن فقرة “أربعاء الباحث .. أفكار، قراءات ومقاربات”، احتضن مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية (سيراس) بحي الخضراء تونس محاضرة للباحثة التونسية د. إلهام بربورة حول موضوع أكاديمي بعنوان “المتطرفون العائدون من بؤر التوتر: بين فرص إعادة الاندماج وأخطار العود” والذي هو بالأساس محور اطروحة دكتوراة, وذلك اليوم الأربعاء 20 ماي 2926 بداية من العاشرة صباحا.
مسارات التطرف بين الهشاشة المجتمعية والقطيعة الاجتماعية: قراءة في دراسة د. إلهام بربورة
#مقدمة:
تُشكل ظاهرة التطرف العنيف والتشدد أحد أعقد التحديات السوسيولوجية والأمنية التي واجهتها المجتمعات المعاصرة، ولا سيما المجتمع التونسي في مرحلة ما بعد الثورة. وفي هذا السياق، يأتي العمل البحثي والمشروع المخصص لكتاب الدكتورة إلهام بربورة كخطوة متقدمة ومثيرة للاهتمام، تهدف إلى نقل البحث الأكاديمي من الغرف المغلقة ونقاشات اللجان الطبية والأكاديمية إلى الفضاء العام التداولي.
ترتكز هذه الدراسة على فهم سوسيولوجي ونفسي معمق لظاهرة التطرف عبر تتبع السير الذاتية والشهادات الحية للمورطين في قضايا الإرهاب والعائدين من بؤر التوتر.
أولاً: أهمية الدراسة وخلفيتها الإقليمية والمحلية:
تنبع أهمية هذه الدراسة من عدة اعتبارات علمية ومنهجية وعملية:
1. الخروج من الفضاء الأكاديمي المغلق:
أشاد المتدخلون (منهم د. عبد الوهاب حفيظ مؤطر الباحثة) بجرأة الباحثة في إعادة طرح عملها للنقاش المفتوح خارج الجامعة، وهو أمر نادر في البيئة الأكاديمية التونسية، حيث تُدفن آلاف الرسائل الجامعية في الرفوف دون استثمار.
2.العنف كخزان مجتمعي:
تعيد الدراسة التذكير بفرضية سوسيولوجية هامة، وهي أن العنف خزان مجتمعي تراكمي يتشكل كطبقات الأرض قبل أن يتم تلوينه بأيديولوجيا أو فكر معين. هذا الفهم يتجاوز التفسيرات الفردية السطحية.
3. مكافحة “رقم الأكذوبة”:
تسهم القراءات الإحصائية في تصحيح الصور النمطية والتهويل الإعلامي الذي طال تونس دولياً، مثل الأرقام المبالغ فيها التي روجت لها جهات غير علمية حول أعداد المتطرفين التونسيين.
4. طرح معضلة “العود الصامت”:
تكمن خطورة الظاهرة اليوم في الجوانب الخفية مثل “العود الصامت” أو عودة المتطرفين دون إعلان، وهو ما يتطلب جاهزية مؤسساتية واجتماعية عالية للمجابهة والإصلاح.
ثانياً: الجوانب والمحاور النظرية والمنهجية للدراسة:
شملت الدراسة جهازاً مفاهيمياً ونظرياً متكاملاً تم إسقاطه على الجانب الميداني:
* الإطار المفاهيمي والتفرقة:
ميزت الدراسة بدقة بين “التطرف” كمرتبة فكرية ونظرية لا تولد عنفاً مادياً بالضرورة، وبين “التطرف العنيف” الذي يترجم التشدد الفكري إلى ممارسات مادية وتدميرية.
كما ميزت بين “العودة” (الرجوع الجغرافي من بؤر التوتر) وبين “العود” (بمعنى تكرار ارتكاب الفعل الإرهابي بعد قضاء العقوبة السجنية).
* المقاربات النظرية المعتمدة:
1. نظرية “الحرمان النسبي”:
تفسير العنف بناءً على الشعور الذاتي بالنقص والظلم والتمييز.
2. نظرية “الهوية والاعتراف الاجتماعي”:
حيث تصبح الجماعة المتطرفة ملجأً لبناء “هوية بديلة” والبحث عن معنى مفقود والانتقام الرمزي من المجتمع.
3. “النظرية السوسيولوجية للتهميش والإقصاء الاجتماعي”:
الناتجة عن غياب تكافؤ الفرص والعنف الرمزي للمؤسسات.
4. نظرية “القطيعة والهشاشة الثلاثية” (المطورة من قِبل الباحثة):
وتشمل “قطيعة أولية” (مع الأسرة وفقدان دور الأب ونموذجه)، و”قطيعة ثانوية” (الانفصال عن المؤسسة التربوية والتعليمية، لا سيما في المرحلة الإعدادية التي تواكب المراهقة المبكرة وتدني مستويات الإحاطة)، و”قطيعة ثلاثية” وهي الأخطر؛ لأنها تمثل قطيعة مع الآخر، والواقع، والذات السوية.
* المنهج الميداني (السردية الذاتية):
اعتمدت الباحثة على عينة متكونة من 32 سجيناً متورطاً في قضايا إرهابية (منهم 16 يمثلون حالات العود والعودة).
استخدمت تقنية “الحكاية الذاتية” وتحليل المضمون، مع التركيز العالي على التواصل غير اللفظي لفهم الأعماق النفسية والاجتماعية دون الاكتفاء بالقراءات الأمنية الجافة.
ثالثاً: أبرز نتائج الدراسة الميدانية:
خلصت الدراسة إلى معطيات إحصائية وسوسيولوجية بالغة الدلالة:
* جندرية الظاهرة وخطورتها:
بالرغم من أن الظاهرة تظل ذكورية بامتياز (71% ذكور مقابل 28% إناث في العينة)، إلا أن المعطيات بينت أن تطرف المرأة، على قلته، يعد أكثر خطورة لسهولة التخفي والقدرة العالية على التضحية العاطفية والتأثير على الأطفال وشحنهم ضد مؤسسات الدولة.
* المستوى التعليمي وعلاقة المراهقة:
سجلت الدراسة أن أعلى نسب الانقطاع والوقوع في الفخ كانت في المستوى الإعدادي (41%) بسبب أزمة التحول النفسي والمؤسساتي في هذه السن. بالمقابل، فإن وجود نسبة 15% من ذوي التعليم العالي يؤكد أن التطرف لا يرتبط بالجهل دائماً، بل يستقطب كفاءات قادرة على الإدارة والقيادة، ويتميز هؤلاء بـ”اليقين العقائدي الصارم” داخل السجون.
* الاختراق الاقتصادي (المشاريع الصغرى):
تصدّرت فئة أصحاب المشاريع الصغرى (مثل محلات بيع وإصلاح الهواتف الجوالة) العينة بنسبة 25%. وكشفت الدراسة أن هذه المشاريع قد تكون ممولة بشكل غير مباشر من التنظيمات المتطرفة لتوفر لها غطاءً لجمع المعلومات، والنفاذ إلى البيانات الشخصية للمواطنين، والتمويل الذاتي.
* الفشل المؤسساتي السجني:
أكدت الشهادات غياب البرامج الفكرية والدمج الحقيقي داخل السجون التونسية، وتحول المؤسسة السجنية من فضاء للإصلاح إلى فضاء يُعمق القطيية، ويُسهم في “إعادة إنتاج العنف” أو الاستقطاب الداخلي بسبب الاختلاط.
رابعاً: النقاش الأكاديمي الدائر حول الدراسة (وجهات النظر المتقاطعة):
شهدت المحاضرة نقاشاً ثرياً وحاداً بين الحاضرين من أساتذة وجامعيين ومسؤولين، وتلخصت أهم محاوره في الآتي:
1. إشكالية التفسير الاجتماعي الحصري (الفقر والتهميش):
اعترض بعض المتدخلين على حصر أسباب التطرف في العوامل الاجتماعية والاقتصادية كقرين حتمي للفقر. واستدلوا بنماذج غربية تاريخية (مثل جماعة “بادر ماينلهوف” في المانيا، و”العمل المباشر” في فرنسا، ومنظمة “إيتا” في إسبانيا) والتي نشأت في بيئات ومجتمعات غنية، مما يؤكد وجود أبعاد أخرى نفسية، سياسية، أو أيديولوجية أعمق من مجرد “الحرمان المادي”.
2. نقد وضبط المصطلحات المفهومية:
أثير تساؤل نقدي حول مدى صلاحية مصطلح “التطرف العنيف” كظاهرة اجتماعية وليدة الحراك التاريخي والمحلي الطبيعي للمجتمع، أم أنه مجرد “مصطلح وافد من الخارج” يعبر عن إرادات ودوائر استعمارية دولية تسعى لصناعة هذه المناخات وتوجيهها لخدمة مشاريع حضارية وسياسية معينة.
3. أزمة المراكمة العلمية والقراءة المتبادلة:
وجه الأساتذة نصيحة للباحثة بضرورة دعم الأطروحة عبر “المراكمة على الدراسات السابقة” وتوسيع دائرة المراجع.
وأشار المتدخلون بأسف إلى أن الباحثين في تونس “لا يقرؤون لبعضهم البعض”، مغفلين دراسات تونسية وعربية مهمة (مثل أعمال خالد حداد، ومحمد التومي، وتقارير معهد الدراسات الاستراتيجية)، بالإضافة إلى دراسات فرنسية هامة ركزت على آليات “الخروج من التطرف” (مثل أعمال خسرو خافار وحسن حسين).
4. تحديات العينة والتعاون الدولي في برامج التأهيل:
أشار النقاش إلى الصعوبات الميدانية في الحصول على التراخيص الأمنية داخل السجون التونسية والتي استغرقت سنوات، مما دفع الإدارة أحياناً لفرض وتوجيه بعض عناصر العينة.
كما طُرحت مسألة مقارنة برامج التأهيل التونسية بالنماذج الإقليمية (مصر والمغرب)، ومقارنة التمويل الدولي والتعاون الأوروبي؛ حيث يركز النموذج الألماني في تونس على “الإدماج الاجتماعي”، بينما يركز النموذج الفرنسي على “التحييد الأمني”.
#خاتمة:
يمثل مشروع كتاب الدكتورة إلهام بربورة لبنة أساسية لكسر جمود التعاطي مع مسألة الإرهاب في تونس.
وتوصي الدراسة والنقاشات المثار حولها بضرورة الانتقال من “سوسيولوجيا الدخول إلى التطرف” إلى “سوسيولوجيا الخروج من التطرف”، مع ضرورة تتبع ومرافقة الشهادات الإنسانية للمورطين لما بعد التجربة السجنية، والربط الحقيقي بين آليات الردع الأمني وبرامج الإدماج الاجتماعي الفعلي.
متابعة: محمد صالح بنحامد
إعلامي تونسي وباحث اكاديمي

