تستور الساحرة: نبض الأندلس وبوابة السياحة
بقلم: محمد صالح بنحامد*
تستقبلك “تستور” بقرميدها الأحمر الدافئ، ورائحة زهر الرمان المنبعثة من بساتين وادي مجردة، وهيبة مئذنتها الأندلسية التي تأبى ساعتها الشهيرة إلا أن تدور عكس اتجاه الزمن، كأنها تحرس ذاكرة الموريسكيين الذين شيدوا هذه الربوع عام 1631م. لكن خلف هذه اللوحة الشاعرية الساحرة، يختبئ واقع تنموي مرير؛ فالبلدة التي تنام على مخزون تاريخي، بيئي، وحرفي فريد، ما زالت ترزح تحت وطأة عقبات هيكلية تحول دون تحولها إلى قطب اقتصادي مستدام.
وفي إطار الاحتفاء بالحدث الإقليمي البارز “تونس عاصمة السياحة العربية 2027″ يسائل هذا التحقيق واقع المنطقة، ويكشف عن مكامن الخلل، ليرسم مع أبنائها وفاعليها ملامح خارطة طريق تخرج تستور من عباءة “السياحة العابرة” إلى أفق الاستثمار السياحي المتكامل والمستدام.
أولاً: مكامن القوة و الجذب السياحي..
تختزل معتمدية تستور (من ولاية باجة) مفارقة عجيبة؛ فهي تمتلك كل مقومات النجاح السياحي المستدام التي تجعلها وجهة نموذجية في تونس وشمال إفريقيا.
تتجلى أولى هذه النقاط الإيجابية في هويتها المعمارية الأندلسية الفريدة، حيث البيوت المغطاة بالقرميد الآجري الأحمر، والجامع الكبير بصومعته الفريدة التي تحتضن الساعة الأندلسية التي تدور عقاربها بشكل معكوس (من اليمين إلى اليسار)، فضلاً عن بطحاء المدينة التي تنبض بالحياة الثقافية وموسيقى المالوف العريقة.
وإلى جانب هذا الثراء الحضاري والتاريخي، تنفرد تستور بمحيط طبيعي خلاب يجمع بين حوض وادي مجردة الشاسع والمنحدرات الجبلية المحيطة بها كجبل شيبان. هذا التنوع البيئي يوفر أرضية خصبة للفلاحة الإيكولوجية وسياحة المغامرات. وتشتهر المنطقة بإنتاج أجود أنواع الرمان في حوض البحر الأبيض المتوسط، وهي ثمرة تحولت بفضل المبادرات المحلية إلى علامة تجارية وهوية بصرية تجذب آلاف الزوار سنوياً خلال المهرجانات، إلى جانب جودة صناعة الأجبان التقليدية وتقطير الزهور، مما يمنح الزائر تجربة سياحية وغذائية متكاملة قل نظيرها.
ثانياً: شهادات حية تلخص الأمل والألم…
لأن أهل مكة أدرى بشعابها، استمعنا إلى ثلاثة فاعلين من أبناء تستور، رسم كل منهم من موقعه زاوية من زوايا الفرص الواعدة والقيود القائمة:
• على جبهة الاستثمار الفلاحي البيئي، يؤكد السيد البحري المناعي، الموظف ببلدية تستور والناشط الجمعياتي المهتم بمشاريع التنمية السياحية الفلاحية والبيئية، أن الحل يبدأ من الأرض وتثمينها خارج الأطر التقليدية. ويقول في شهادته:
> “تستور تمتلك مخزوناً مائياً وفلاحياً استثنائياً، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الرؤية المندمجة التي تربط الفلاحة بالسياحة البيئية. نحن في العمل الجمعياتي نحاول جاهدين دفع الشباب نحو بعث مشاريع ‘السياحة الفلاحية والإقامات الريفية’، لكن هذه الرغبة وهذا الطموح نصطدمان بجدار سميك من البيروقراطية الإدارية وتعقيدات تغيير صبغة الأراضي الفلاحية.
ما تحتاجه المنطقة اليوم، مرونة تشريعية، وتبسيط للإجراءات البلدية والإدارية، لتمكين المستثمر الشاب من بعث ضيعة بيئية نموذجية تستقطب الزوار وتخلق مواطن شغل حقيقية لأبناء المنطقة، عوضاً عن تركهم لقمة سائغة للبطالة أو الهجرة.”

وعلى مستوى الشأن الثقافي والتسويقي للمنطقة، تقف السيدة منى العرفاوي، رئيسة مهرجان الرمان بتستور، لتوضح دور المهرجانات في تنمية ودفع عجلة الاقتصاد المحلي، مشيرة إلى التحديات التي تواجه هذا النشاط الثقافي والجمعياتي والسياحي:
• “مهرجان الرمان ليس مجرد عرض احتفالية فلكلورية عابرة، بل هو الرئة الاقتصادية التي تتنفس منها مئات العائلات، والحرفيات، وصغار الفلاحين في تستور طيلة موسم الجني.
• نحن نصنع من ثمرة الرمان علامة تجارية وهوية بصرية للمدينة، تروج للضيافة التستورية وأجبانها ومرقومها الأندلسي. لكن السؤال المطروح هو: ماذا بعد المهرجان؟ لا يمكننا بناء سياحة موسمية تدوم لأسبوع واحد فقط في السنة.
• إنّ ما نحتاجه فعلياً هو دعم الدولة لإنشاء بنية تحتية سياحية دائمة، والترويج لتستور كوجهة سياحية على مدار العام، فضلاً عن توفير الدعم اللوجستي والمادي الدائم للمهرجانات المحلية والوطنية لتتطور إلى تظاهرات دولية تستقطب الاستثمارات الخارجية.”

ومن زاوية تثمين الموروث كرافعة سياحية وحضارية، تقدم السيدة سهام السوسي، الموظفة بالمندوبية الجهوية للشباب والرياضة بباجة، قراءة تشخص الواقع الثقافي وكيفية توظيفه سياحياً لخدمة الشباب:
• “المخزون الثقافي والحضاري لتستور، من المعمار الأندلسي العتيق إلى الفنون الشعبية وموسيقى المالوف وصولاً إلى المواقع الطبيعية الجبلية، هو ثروة وطنية مهملة. يجب أن نعيد صياغة علاقة شباب المنطقة بهذا الموروث؛ ليس فقط كمستهلكين للثقافة، بل كصناع لها ومستثمرين فيها.
• من دورنا في قطاع الشباب والرياضة، أن نرى ضرورة قصوى لإنشاء نوادٍ ومسالك سياحية شبابية وثقافية مهيأة، وتدريب وتأهيل الأدلاء السياحيين المحليين من بين العاطلين عن العمل لتثمين تاريخ ساعتهم المعكوسة وأزقة مدينتهم. إن دمج الشباب في دورة الاقتصاد السياحي عبر بوابة التراث هو الكفيل بحفظ هويتنا وخلق تنمية حقيقية.”

ثالثاً: عوائق التنمية السياحية بتستور…
رغم توفر كل هذه المقومات الواعدة، تواجه تستور عقبات تنموية تحول دون تحقيق طموحاتها السياحية بدقة عالية.
ويأتي على رأس هذه العوائق ضعف طاقة الإيواء السياحي بالمنطقة، حيث تفتقر المدينة إلى الفنادق المصنفة ودور الضيافة المؤهلة لاستيعاب المجموعات السياحية الكبيرة، مما يحولها إلى مجرد محطة “سياحة عابرة” قصيرة المدى، تضيع معها عائدات المبيت والعشاء والأنشطة الليلية.
كما يمثل اهتراء البنية التحتية، وخاصة المسالك الفلاحية والريفية المؤدية إلى الضيعات البيئية والمواقع الجبلية، حاجزاً حقيقياً يمنع تدفق السياح الراغبين في عيش “سياحة التجربة”.
تضاف إلى ذلك التعقيدات القانونية والعقارية الصارمة التي تكبل الفلاحين والمستثمرين، حيث يواجهون صعوبات جمة في تغيير صبغة الأراضي الفلاحية لإقامة مبيتات ريفية أو مطاعم بيولوجية تتماشى مع الطابع الإيكولوجي للمنطقة.
ولا يمكن التغاضي أيضاً عن غياب خطة ترويجية وطنية ودولية منسقة تُخرج تستور من جلباب النشاط الموسمي المرتبط بفصل الخريف وموسم الرمان فقط، لتعيد تقديمها كوجهة سياحية مستمرة طوال فصول السنة.

رابعاً: حلول وآفاق واسعة أمام المستثمرين
إن فك القيود التنموية عن تستور يتطلب رؤية شمولية تشترك فيها الدولة والقطاع الخاص، وتعتمد حلولاً عملية على المدى القريب والبعيد.
ويكمن الحل الجوهري الأول في تفعيل “مجلة استثمار مرنة” ومبسطة، تتيح للمستثمرين الشبان والشركاء الحصول على تراخيص استثنائية لبعث الإقامات الريفية والمشاريع البيئية دون الاصطدام بتعقيدات تغيير الصبغة العقارية للأراضي. كما يتطلب الأمر تطوير مسالك سياحية مدمجة تجمع بين الجولات الثقافية بالمدينة العتيقة، ومسارات الرياضات الجبلية، والتذوق الغذائي في الضيعات الفلاحية.
وهنا تبرز الآفاق الشاسعة المفتوحة أمام المستثمرين العرب والأجانب؛ فتستور تمثل أرضاً عذراء مليئة بالفرص الاستثمارية عالية المردودية. ومع تصدر تونس للمشهد السياحي الإقليمي كـ “عاصمة للسياحة العربية لعام 2027″، فإن إنشاء منتجعات سياحية إيكولوجية فاخرة تحترم النمط المعماري الأندلسي، وتأسيس مراكز استشفائية طبيعية، والاستثمار في سلاسل القيمة لتثمين وتصدير المنتجات البيولوجية المتميزة كرمان تستور المتميز، وزيوتها، وأجبانها الفاخرة، هي مشاريع تحمل آفاقاً واعدة وأرباحاً مضمونة.
إن هذا الاستثمار الخارجي لن يقتصر على تحقيق عوائد مالية مجزية للمستثمرين فحسب، بل سيمثل شريان الحياة الذي يعيد النبض لـ “أندلس تونس”، ويوفر لأبنائها فرص عمل لائقة، لتدور عجلة التنمية أخيراً في الاتجاه الصحيح والمنشود.
° عضو اتحاد خبراء السياحة العرب
° رئيس الاتحاد المغاربي للإعلام السياحي

