تبرسق: حين تتحدث الحجارة عن حضارة الرومان وصمود الأجداد

تبرسق.. كنوز التاريخ ومفتاح سياحة الشمال الغربي بين التثمين والإهمال

تُعد مدينة تبرسق بولاية باجة واحدة من أعرق المدن التونسية، التي تختزن في جنباتها إرثاً تاريخياً يمتد لآلاف السنين، ومع ذلك تظل بحاجة إلى استراتيجية واضحة لتطوير منتوجها السياحي واستثمار مخزونها الثقافي الغني.

تبرسق التي تقع على بعد 100 كيلومتر من تونس العاصمة على سفح جبل الرحمة، هي وريثة المدينة الرومانية القديمة “توبورسيكوم بوري” . وتشير الآثار المنتشرة في المنطقة إلى تعاقب الحضارات اللوبية والبونية والرومانية، حيث تحولت إلى بلدية رومانية بين سنتي 209 و219 ميلادية، ثم إلى مستعمرة سنة 261 ميلادية . وما زالت اللقى الأثرية تشهد على قدم الاستيطان بالمدينة، حيث عبد سكانها القدماء الإلهين “بعل حمون” و”التانيت” .

معالم تاريخية شامخة تنتظر التثمين

يتجلى عراقة تبرسق في معالمها التاريخية البارزة، وعلى رأسها الحصن البيزنطي الذي شُيد في القرن السادس ميلادي في عهد الإمبراطور جوستينيان الثاني، والذي لا تزال جدرانه التي يبلغ ارتفاعها 7 أمتار شامخة لتشهد على أهمية هذه المدينة عبر العصور .

كما يضم متحف تبرسق، الذي أقيم في سجن عسكري قديم استقبل العديد من الوطنيين المناهضين للاستعمار الفرنسي بين 1938 و1954، 18 معرضاً تروي أحداث النضال الوطني، خاصة فترة 1938 و1943 .

مخزون ثقافي يتجاوز حدود المدينة

لا يقتصر الموروث الثقافي للمنطقة على تبرسق وحدها، بل يمتد ليشمل المدن المجاورة مثل تستور ودقة، حيث يمتزج التراث النوميدي القديم بالتأثيرات القرطاجية والرومانية والبيزنطية، لتتشكل لوحة ثقافية نادرة .

وتبرز في تستور، التي تبعد أميالاً عن تبرسق، بصمة الموريسكيين الذين استقروا على أنقاض مدينة تيشيلا الرومانية القديمة عام 1609، حاملين معهم طرازاً معمارياً ثرياً تتناغم فيه التأثيرات الإسلامية والأوروبية .

معالم بيزنطية رومانية

ويمثل قوس النصر والحمامات الرومانية والصهاريج وغيرها من المعالم المصنفة ضمن قائمة التراث الوطني في ولاية باجة، ثروة حقيقية تنتظر من يستثمرها سياحياً .

وقد أدى وزير السياحة سفيان تقية زيارة ميدانية إلى هذه المناطق في يناير 2025، في خطوة اعتبرت “استفاقة متأخرة” لما تختزنه هذه المنطقة من موروث ثقافي وبيئي عميق، يمكن إدماجه ضمن مسلك سياحي متكامل .

تحديات وآفاق تنموية

رغم هذه الإمكانيات الهائلة، تواجه المنطقة تحديات كبيرة على رأسها نقص الصيانة والتعهد بالمعالم التاريخية، وغياب المسالك السياحية واللوحات التعريفية التي تيسر على الزائر اكتشاف هذا المخزون الثقافي . وتشير التوصيات إلى ضرورة تطوير برامج شاملة لترميم المعالم وإعادة تأهيلها، مع احترام الخصوصيات المحلية في أي عملية تنموية، لتجنب فشل التجارب التنموية التي تفرض من أعلى .

مهرجانات ثقافية سياحية

ويمثل تنظيم مهرجانات مثل مهرجان زيت الزيتون بتبرسق ومهرجان الرمان بتستور فرصة حقيقية لتنشيط الحركة السياحية في المنطقة، خاصة مع ظهور مبادرات مثل “رمانة تور” التي تهدف للتعريف بالمحلات والاستراحات السياحية والثقافية في المدينة .

ويبقى الرهان الأكبر على تحويل هذه المبادرات الفردية إلى استراتيجية وطنية متكاملة تضع تبرسق ومنطقتها كقطب سياحي واعد في شمال غرب تونس.

About مدير الموقع

إعلامي وباحث اكاديمي تونسي مدير الموقع ورئيس التحرير

View all posts by مدير الموقع →

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *