بين النحو واللسانيات: حمادي زمزم يفكك شيفرة “اليقين” في الأسماء المبهمة

بين النحو واللسانيات:

حمادي زمزم يفكك شيفرة “اليقين” في الأسماء المبهمة

يُعد الدكتور “حمادي زمزم”، أستاذ النحو واللسانيات بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، أحد الأصوات العلمية المتميزة التي اشتغلت على تقاطع الإعراب والدلالة في النحو واللسانيات .

تدرَّج زمزم في مسار أكاديمي ثري، حيث درس بالمعهد العالي للغات بنابل والمعهد العالي للتكوين المستمر بباردو، وصولاً إلى موقعه الحالي  بكلية الاداب والفنون والانسانيات بمنوبة.

يمتلك المؤلف رصيداً نقدياً غزيراً يتجاوز عشرين مقالاً في دوريات محكمة، بالإضافة إلى مؤلفاته المتخصصة مثل “دلالة حروف المعاني على الجهة” و”دلالة اسم التصغير على الجهة”، وهو عضو فاعل في مخبر “نحو الخطاب وبلاغة التداول” والمركز العربي لأبحاث اللغة العربية.

كتاب “الدلالة الجهية”: الأهداف والأهمية:

يأتي هذا الكتاب الذي هو في الأصل أطروحة دكتوراه  نوقشت عام 2016 بعنوان “الدلالة الجهية في الأسماء المبهمة في العربية” لتمثل قفزة نوعية في دراسة مقولة “الجهة” (Modality)، وهي المقولة التي تعبر عن موقف المتكلم ودرجة اعتقاده فيما يقول.

تكمن أهمية هذا العمل في خروجه عن السائد اللساني والمنطقي الذي حصر “الجهة” في صنف “الفعل” وحده، ليختبرها في صنف “الاسم” بمختلف تجلياته المحضة والمبهمة.

تهدف الدراسة بشكل أساسي إلى الوقوف على المعاني النحوية الجهية الكامنة في الأسماء، وتجاوز الدارج القائم على البحث في الجهة من خلال الوحدات المعجمية فقط، وصولاً إلى فهم أعمق لكيفية اشتغال الجهاز النحوي العربي.

الإطار الفكري والمنهجي:
تنزل هذه الدراسة في مجال النحو بوصفه دراسة إعرابية دلالية، وتعتمد منهجاً يراوح بين الوصف والتحليل والتفسير. وتنطلق من فرضية مركزية مفادها أن كل الوحدات اللغوية (اسم، فعل، حرف) مؤهلة إعرابياً للدلالة على الجهة، وذلك بناءً على مبدأ “الاسترسال” بين أقسام الكلم.

كما تعامل المؤلف مع الجهة بوصفها “روح الجملة” التي ترفع الإبهام وتعين موقف المتكلم بين اليقين (الواجب) والشك أو الاحتمال (غير الواجب).

الأفكار الأساسية والمحتوى الداخلي:
اعتمد المؤلف تقسيماً ثنائياً محكماً لأطروحته لضمان التغطية النظرية والإجرائية:

 القسم الأول: المقدمات النظرية والتأسيس:

استعرض هذا القسم تاريخ مقولة الجهة في المنطق اليوناني القديم (خاصة الرواقية) والمنطق العربي واللسانيات الحديثة، مبيناً كيف تحولت من مفهوم منطقي خارجي إلى بنية عقلية داخلية مرتبطة بالتركيب.

ركز المؤلف هنا على ثنائية “الواجب وغير الواجب” ككفاية تفسيرية، موضحاً دور الموجهات الصوتية والصرفية والتركيبية في رفع الإبهام عن مقاصد المتكلم.

كما جرى الفصل في هذا القسم بين “الجهة” و”المظهر” و”الزمن النحوي”، مع التأكيد على أن “المقام” هو بنية نحوية مضمرة تساهم في تعيين الدلالة.

 القسم الثاني: الفضاء الإجرائي (الجهة في الاسم المبهم):

هذا القسم هو “قطب الرحى” في البحث، حيث اختبر المؤلف فرضياته على أربعة أبواب كبرى:

1. الاسم التام: وفيه درس دور الإسناد والابتداء والمشتقات (اسم الفاعل، المفعول، المبالغة) في توليد معاني اليقين والإمكان

2. الضمائر وأسماء الإشارة: حيث حلل كيف تعمل هذه الوحدات “الحرفية السلوك” على تحديد درجة اعتقاد المتكلم في الحاضر والمشاهدة.

3. الموصولات الاسمية: وبيان دور “الصلة” في توضيح الإبهام وتحويل الجملة إلى خبر مستقر.

4. الظروف: وكيف تتراتب زمنياً ومكانياً لتعكس مواقف المتكلم التقويمية واليقينية .

خاتمة: نحو رؤية نحوية جديدة
خلصت الدراسة إلى أن الدلالة على الجهة هي دالّة إعرابية مقامية سياقية بامتياز، وأن الأسماء المبهمة تمتلك طاقة إبلاغية تتفوق أحياناً على الأفعال بسبب كثافة “الإبهام” فيها الذي لا يرفعه إلا التركيب.

إن عمل حمادي زمزم لا يعيد قراءة التراث النحوي (سيبويه والجرجاني) بروح حديثة فحسب، بل يفتح آفاقاً جديدة لفهم “نحو الألسن البشرية” انطلاقاً من خصوصية اللغة العربية، مؤكداً أن الإعراب هو في جوهره “معنى” يعكس حركة النفس البشرية وهي تصوغ يقينها في قالب لغوي.


• محمد صالح بنحامد 

° إعلامي وباحث تونسي في اللسانيات 

° كلية الاداب والفنون والانسانيات بجامعة منوبة

About مدير الموقع

إعلامي وباحث اكاديمي تونسي مدير الموقع ورئيس التحرير

View all posts by مدير الموقع →

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *