مع رواد اللّسَانيات في تونس: د. عبد القادر المهيري وكتابه ” نظرات في التراث اللغوي العربي”

مع رواد اللّسَانيات في تونس:
الدكتور_عبد_القادر_المهيري
الكتاب: نظرات في التراث اللغوي العربي

يعتبر الاستاذ عبد القادر المهيري (1934 – 2016) من أبرز أعمدة الجامعة التونسية وشيخ اللغويين التونسيين. فقد تخصص في اللسانيات واللغة العربية، وكان له دور ريادي في تأسيس المدرسة اللسانية التونسية الحديثة.

حول_الكاتب:

خلال مسيرته الأكاديمية، عمل الدكتور المهيري أستاذاً بجامعة تونس (بما في ذلك كلية الآداب بمنوبة التي كرمته في ندوات علمية). وحصل #المهيري على الإجازة في اللغة العربية والأدب الفرنسي من جامعة باريس، ونال شهادة التبريز عام 1959.

أبرز المؤلفات:
له كتب مرجعية مثل “نظرات في التراث اللغوي العربي” و”من الكلمة إلى الجملة”، وساهم في “تيسير النحو” وتقريبه للطلاب.

الجوائز:
نال تقديراً دولياً شمل فوزه بجائزة الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمية للترجمة.

توفي – رحمه الله – في 13 ماي 2016 بمسقط رأسه بمدينة صفاقس، تاركاً إرثاً علمياً تتلمذت عليه أجيال من الباحثين.

حول_الكتاب:

يُعد كتاب “نظرات في التراث اللغوي العربي” للدكتور عبد_القادر_المهيري، فقيد الجامعة التونسية، عملاً أكاديمياً يسعى لإعادة قراءة التراث النحوي واللغوي العربي بمنظور حديث يجمع بين استيعاب القواعد القديمة وتطبيق المناهج اللسانية المعاصرة.

فيما يلي ملخص موسع وشامل لأبرز المحاور التي تناولها الكتاب:

أولاً. الهدف من الكتاب ومنهجه:
يهدف المؤلف في هذا الكتاب إلى توضيح ملامح التراث اللغوي العربي وإبراز الحيثيات والأسس التي قام عليها.
يرى المهيري أن هذا التراث لم يسلم من الانتقاد أو الاستخفاف في بعض العصور، لكنه يؤكد على أن معرفة القواعد ضرورية لاكتساب ملكة اللسان.
يعتمد الكتاب منهجاً لا يكتفي بالتطبيق الآلي للقواعد، بل يسعى لفهم “عللها” ومقاصدها، والبحث عن التناسق بين المعطيات والأحكام.

ثانيا. دراسة “الكلمة” وبنيتها:
خصص المؤلف حيزاً كبيراً لتحليل مفهوم الكلمة في التراث العربي:

* النظام الصرفي:
يشير إلى التزام العربية بعدد محدود من الصيغ (الأسماء والأفعال)، معتبراً أن الميزان الصرفي مكن من استيعاب جل كلمات اللغة العربية.

* الاشتقاق والمعنى:
يربط بين البنية الصرفية والمعاني التداولية، مثل مفاهيم الآلة، والمكان، والزمان، والمبالغة، والمشاركة.

* التعريف اللساني للكلمة:
يناقش صعوبة وضع تعريف مانع جامع للكلمة، مستعرضاً آراء القدامى مثل ابن جني وابن الخشاب والزمخشري، ومقارنتها بمفاهيم حديثة مثل “المورفيم”.

ثالثا. نظرية “الجملة” عند النحاة العرب:
يبحث الكتاب في كيفية تصور النحاة العرب للجملة، مشيراً إلى أنهم لم يخصصوا لها أبواباً مستقلة في البداية كما فعلوا مع الكلمة، بل كانت الجملة حاضرة ضمناً في دراسة الوظائف النحوية.

* ثنائية الجملة الاسمية والفعلية:
يحلل الكتاب معايير التمييز بين نوعي الجملة، مبيناً أن العبرة بصدر الجملة (الاسم أو الفعل) وما يترتب على ذلك من أحكام إعرابية.

* الإسناد والإفادة:
يركز على أن الجملة المفيدة هي “الكلام” الذي يحسن السكوت عليه، وهو مفهوم يربط التركيب اللغوي بالفائدة التواصلية.

رابعا. دور الإعراب وعلله:
يناقش الكتاب قضية “الإعراب” كسمة جوهرية في العربية:

* الوظيفة:
يرى أن الإعراب ليس مجرد علامات شكلية، بل هو وسيلة للإبانة عن المعاني وتخليص الكلام من الالتباس.

* إعراب الفعل المضارع:
يبحث في أسباب إعراب الفعل المضارع ومشابهته للاسم، مستعرضاً آراء البصريين والكوفيين في هذا الصدد .

* التعليل النحوي:
يربط بين الأحكام النحوية والمنطق، مشيراً إلى تأثر النحو العربي بالمنطق الأرسطي في بعض جوانبه، وكيف حاول النحاة تبرير الأحكام اللغوية بأسس عقلية.

خامسا. المصطلح واللسانيات عند ابن خلدون:
يفرد الكتاب فصولاً لدراسة فكر “ابن خلدون” اللساني:

* مفهوم “اللغة” و”اللسان”:
يحلل كيف فرق ابن خلدون بين اللغة كملكة ذهنية وبين اللسان كأداة تواصلية مرتبطة بأقوام محددين.

* نشأة المصطلح:
يتتبع إشكالية تاريخ نشأة المصطلح النحوي وتطوره عبر العصور.

سادسا. البلاغة العامة والمنظور الحديث:
يتناول الجزء الأخير من الكتاب مفهوم “البلاغة العامة”، محاولاً ربط البلاغة العربية القديمة بالدراسات الأسلوبية والنقدية الحديثة.
ويرى المهيري أن البلاغة لا تقتصر على “الزينة اللفظية”، بل هي جزء أصيل من عملية التواصل تهدف إلى الإقناع وتحقيق المقاصد.

خلاصة_الكتاب:
يقدم عبد القادر المهيري في هذا الكتاب قراءة “نقدية وتحليلية” للتراث، رافضاً النظرة التي تعتبر النحو العربي مجرد قواعد جامدة، ومؤكداً على أنه “نظام فكري متكامل” يعكس عبقرية اللغة العربية وقدرتها على التجدد والاستجابة للمناهج العلمية الحديثة.

 

محمد صالح بنحامد

إعلامي وباحث تونسي

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *