ندوة دولية حول التراث المادي واللامادي: الوضعيات المعاصرة والآفاق في ليبيا وما جاورها

في الندوة الدولية حول التراث المادي وغير المادي :
انعقدت مؤخرا، أشغال الندوة الدولية حول التراث المادي (الآثار والمخطوطات) واللا مادي (العادات والتقاليد وغيرها) في ليبيا والدول المجاورة لها في يومها الختامي، المنعقدة ايام 17 و 18 و19 نوفمبر 2025 باحدى الوحدات السياحية بالعاصمة تونس، وذلك تحت اشراف وتنظيم معهد البحوث المغاربية المعاصرة (#IRMC) بالشراكة والتعاون مع سفارة فرنسا في ليبيا، المركز الثقافي الفرنسي بليبيا، سفارة فرنسا في الجزائر ، والمركز الوطني البحوث العلمية الفرنسي.
تضمنت أشغال الندوة الدولية محاور ثلاثة وهي على التوالي: أولا، التراث الأثري في ليبيا وفي الدول المجاورة: الوضعيات المعاصرة والآفاق، ثانيا، المخطوطات: كنوز معرفية مهددة بالنسيان والتلف، وثالثا، التحولات الاجتماعية و”تأسيس” تراث غير مادي.
مواكبتي لاشغال هذه الندوة العلمية تمت بدعوة من بعض الاساتذة الباحثين بالجامعة التونسية، وقد تمركزت مساهمتي بالأساس حول ابراز قيمة العلاقة العضوية الرابطة بين التراث المادي وغير المادي بفلسفة الإعلام السياحي الذي يعتبر قاطرة صناعة السياحة وطنيا ومغاربيا .
ولا شك في أنّ التراث بجناحيه المادي وغير المادي، مثّل ولا يزال ركيزة أساسية للإعلام السياحي، في مناطق غنية بمخزونها الثقافي والتاريخي مثل ليبيا وبقية الدول المغاربية (المغرب، الجزائر، تونس، موريتانيا). فالإعلام السياحي هنا هو أداة لإحياء الهوية، ودفع عجلة التنمية وتطوير الاقتصاد، بالإضافة إلى بناء صورة سياحية مستدامة.
فيما يلي تحليل لأهمية التراث المادي وغير المادي في الإعلام السياحي، مع التركيز على ليبيا والدول المغاربية كنموذج:
التراث المادي هو الشاهد الملموس على التاريخ والحضارة، ويشمل المعالم الأثرية، المتاحف، المدن القديمة، إلخ.
1. جذب السياحة الثقافية:
تمتلك كنوزاً أثرية فريدة مثل لبدة الكبرى، صبراتة، شحات (قورينا)، وتادرارات أكاكوس (نقوش صخرية). الإعلام السياحي يمكنه إعادة تقديم هذه المواقع للعالم بعد سنوات من الإغلاق، مستخدماً التصوير عالي الدقة والجولات الافتراضية لتعويض صعوبة الزيارة حالياً.
البحث عن مقبرة الملك يوبا الثاني في الجزائر، ومساجد فاس العتيقة في المغرب، ومدينة دقة الأثرية في تونس. الإعلام يسلط الضوء على هذه المواقع كوجهات لا يمكن تعويضها لعشاق التاريخ.
2. بناء علامة سياحية مميزة:
· يستخدم الإعلام هذه المعالم لتمييز الهوية السياحية للمنطقة. فبينما تتنافس دول العالم على السياح، تبرز الدول المغاربية وليبيا كمتاحف مفتوحة للحضارات المتعاقبة: الفينيقية، الرومانية، الإسلامية، الأمازيغية.
3. دعم جهود الحفظ والترميم:
· عندما يسلط الإعلام السياحي الضوء على موقع مثل قصبة الجزائر (المدرجة في اليونسكو) أو المدينة العتيقة في تونس، فإنه يخلق وعياً عالمياً بأهميتها، مما يضغط على الجهات المعنية للحفاظ عليها ويجذب التمويل للمشاريع الترميمية.
التراث غير المادي هو الروح الحية للمكان، ويشمل التقاليد، الفنون، الحرف، المطبخ، الأغاني، واللهجات.
1. خلق تجربة سياحية غامرة ومستدامة:
· لا تكفي زيارة الآثار، بل الاستماع إلى الموسيقى الأمازيغية في جبال الأطلس، أو مشاركة السكان المحليين في احتفالات الوعدة في تونس، أو تعلم حياكة السجاد القفصي في الجزائر. هذا يخلق ذكريات شخصية عميقة ويوزع عوائد السياحة على المجتمع المحلي.
2. كسر الصورة النمطية وإظهار التنوع:
· الإعلام الخارجي غالباً ما يركز على الجوانب السياسية أو الأمنية. يساهم الإعلام السياحي الذي يظهر تنوع الأطباق (من الكسكس إلى البازين الليبي)، والأزياء التقليدية المطرزة، وفنون الحكاية (الحلقة) في تقديم صورة حية ومتفائلة عن هذه المجتمعات.
3. الحفاظ على الهوية من خلال التسويق:
· عندما يصبح طبق “الطاجين” المغربي أو حرف الجلود في فاس عنصر جذب سياحي، فإن ذلك يشجع الأجيال الشابة على تعلم هذه المهن والحفاظ عليها من الاندثار، مما يحمي الهوية الثقافية.
ليبيا والدول المغاربية: نموذج للفرص والتحديات: (جدول مقارنة)
• التراث المادي (أمثلة):
لبدة، صبراتة، شحات، غدامس القديمة، تادرارات أكاكوس.
• التراث غير المادي (أمثلة) :
فن “القاليل” (الغناء التقليدي)، المطبخ الليبي (البازين)، الحرف اليدوية، لهجات محلية.
• دور الإعلام السياحي:
تحدي: تجاوز الصورة الأمنية.
فرصة: استخدام الجولات الافتراضية، التوثيق الرقمي لحفظ التراث والترويج له استعداداً لانتعاش السياحة.
• أمثلة من التراث المادي:
مراكش، فاس، آيت بن حدو، صويرة.
• أمثلة من التراث اللامادي:
موسيقى “الغناوة”، فن الطهي، سوق “السماط”، الصناعة التقليدية (الفخار، الجلود).
• دور الإعلام السياحي:
تعزيز المكانة كوجهة سياحية عالمية من خلال دمج التجربة الثقافية (الإقامة في رياض، ورش عمل طبخ) في الحملات الإعلامية.
• أمثلة من التراث المادي:
قصبة الجزائر، تيمقاد، جميلة، ميزاب.
• أمثلة من التراث اللامادي:
الموسيقى الشاوية، حرف النقش على النحاس، احتفالات “اليعقوبية”، فن “أهليل” في الصحراء.
• دور الإعلام السياحي:
تسليط الضوء على التنوع الجغرافي والثقافي بين الشمال والصحراء، والترويج للسياحة الصحراوية الغنية بالتراث غير المادي.
• أمثلة من التراث المادي:
مسرح الجم الروماني، سيدي بو سعيد، دقة، مدينة تونس العتيقة.
• أمثلة من التراث اللامادي:
موسيقى المالوف، ملابس “الكسكاس” و”الفحلة”، مهرجان الصحراء في دوز، حرف الخزف.
• دور الإعلام السياحي :
الربط بين زيارة المواقع الأثرية والمشاركة في المهرجانات والتجارب الحية لخلق مسارات سياحية متكاملة.
• أمثلة من التراث المادي:
مدن شنقيط، وادان، ولاتة القديمة (مراكز علمية).
• أنشطة من التراث اللامادي:
المخطوطات والعلوم الإسلامية التقليدية، الموسيقى الموريتانية (“أغنية الغريان”)، فن “التبراعة”.
• دور الإعلام السياحي:
الترويج للسياحة الثقافية المتخصصة (سياحة المخطوطات) وإبراز التراث الفكري الفريد للبلاد.
إنَّ التراث المادي وغير المادي في ليبيا والدول المغاربية ليسا منفصلين، بل هما وجهان لعملة واحدة.
فلا يمكن تقديم تجربة سياحية حقيقية لزائر شحات في ليبيا دون أن يتذوق طعم البازين ويستمع إلى حكايات أهلها. كما أنه لا يمكن فهم سحر فاس في المغرب دون التجول في أزقتها العتيقة وشُمّ رائحة الجلود والبهارات.
لذلك، فإن الإعلام السياحي الفعال في هذه المنطقة مطالب بـ:
✓ الدمج بين المادي وغير المادي: عرض الآثار مع الأغاني التقليدية، والمتاحف مع ورش الحرف اليدوية والصناعات التقليدية.
✓ استخدام التقنيات الحديثة: الجولات الافتراضية 360، الوثائقيات التفاعلية، ومنصات التواصل الاجتماعي لنقل “الروح” الحية للمكان.
✓ إشراك المجتمع المحلي: جعل السكان سفراء للتراثهم، مما يضمن مصداقية الرسالة واستدامة السياحة.
✓ بناء سردية سياحية بديلة: تتجاوز الأخبار السياسية لتؤكد على عمق التاريخ وثراء الثقافة والتنوع البشري في المنطقة.
في النهاية، يمثل الإعلام السياحي الذي يركز على التراث جسراً للتواصل مع العالم، وأداة للتنمية الاقتصادية، وسيفاً ذا حدين للحفاظ على الهوية الثقافية الثمينة التي تزخر بها ليبيا والدول المغاربية.
رئيس الاتحاد المغاربي للإعلام السياحي

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *