وجهة نظر تربوية كشفية: حول تجويد العمل التربوي بالكشافة التونسية

بدأت الكشافة التونسية خلال السنوات الاخيرة تعكف بخطوات جادة على تجويد العمل التربوي والتدريب الكشفي داخل الافواج والوحدات الكشفية بالاساس.

حول تجويد العمل التربوي بالكشافة التونسية
بدأت الكشافة التونسية خلال السنوات الاخيرة تعكف بخطوات جادة على تجويد العمل التربوي والتدريب الكشفي داخل الافواج والوحدات الكشفية بالاساس.
فموضوع تجويد العملية التربوية داخل هياكل الكشافة التونسية محليا وجهويا ثم وطنيا، هو في جوهره موضوع محوري واستراتيجي للغاية إذ يهدف إلى تحقيق نقلة نوعية في أداء الحركة الكشفية في تونس وتعزيز تأثيرها الإيجابي على الفتية والشباب.
ومن الطبيعي جدا وبعد حوالي ثلاث وتسعين (93) عاما من العطاء الكشفي في تونس، سيتطلب هذا التجويد تحليلاً منطقياً يرتكز في رأيي على ثلاثة أبعاد أساسية متكاملة وهي: البعد العالمي والدولي، البُعد الوطني التونسي، والبُعد التربوي الفني.
ونقصد بهذا البُعد، نظام الجودة في المنظمة الكشفية العالمية (WOSM) حيث اعتمدت الكشافة التونسية في رؤيتها التحديثية منذ البداية على الأطر والمعايير الدولية التي وضعتها المنظمة الكشفية العالمية، تلك التي ترتكز أساسًا على التربية الكشفية كمنهج تعليمي تربوي (غير رسمي) يهدف إلى التنمية الشاملة للفرد. فمن الأهداف الأساسية للتربية الكشفية نذكر:
* التنمية الشاملة: بمعنى تحقيق أقصى قدرات الفتية والشباب البدنية، والعقلية، والوجدانية، والاجتماعية، والروحية.
* المواطنة الفاعلة: وتعني تمكين الشباب ليصبحوا مواطنين فاعلين وملتزمين بالخدمة وإحداث التغيير الإيجابي في مجتمعاتهم والعالم.
تمثل عناصر الجودة العالمية (GSAT) من ابرز الأدوات التي تعتمدها المنظمة العالمية للحركة الكشفية وأهمها على الإطلاق لتقييم الدعم العالمي، فهي معيار للجودة يقيّم التزام الجمعيات الكشفية الوطنية بأفضل الممارسات.
ولهذه الأداة أبعاداً مهمة بدأت الكشافة التونسية في العمل وفقها وهي:
✓ برامج الشباب: مدى ملاءمة وتأثير البرامج المقدمة.
✓ الإدارة المالية والمؤسسية: كفاءة الحوكمة والأنظمة الإدارية.
✓ إمكانات النمو: مدى القدرة على جذب الأعضاء الجدد وتوسيع الانتشار.
✓ التحليل المنطقي: يضمن تبني هذه المعايير العالمية، أن تكون الكشافة التونسية على دراية بأفضل الممارسات، وأن تغدو برامجها قابلة للقياس والتقييم، مما يزيد من مصداقيتها وتأثيرها على الصعيدين الوطني والدولي.
من أهم ما يميّز البعد الوطني في تجويد العمل التربوي في الحركة الكشفية هو مراعاة خصوصيات البلاد التونسية من أجل ضمان نجاح أي برنامج تربوي، ليكون متجذراً في بيئته ومجتمعه.
لذلك تتبنّى الكشافة التونسية مبدأ أن تكون الأولوية للاستراتيجية الوطنية التي تشمل:
* القيم والثوابت: التأكيد على الهوية التونسية المتجذرة في الحضارة الإنسانية والعربية والإسلامية، مع تعزيز القيم المشتركة.
* القضايا الوطنية: تكييف الأنشطة الكشفية للمساهمة في حل المشكلات الاجتماعية والوطنية، مثل: مكافحة التطرف، دعم الإغاثة والمساعدات الإنسانية (خاصة في الأزمات الحدودية)، وتعزيز ثقافة السلام والتسامح.
* العمل التطوعي والبيئي: ويتمحور حول تكثيف الأنشطة التي تشرك الشباب في خدمة المجتمع والاهتمام بالبيئة التونسية.
* جودة القيادات: بالتركيز على إعداد سياسة وطنية لتنمية القيادات، تتماشى مع السياسة العالمية للراشدين في الكشفية، ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار جميلة من خصوصيات المجتمع التونسي، بما في ذلك تطوير:
✓ تطوير القيادة الشبكية: تشجيع التعاون الأفقي وتبادل الخبرات بين القادة.
✓ التطبيق العملي: التركيز على محتوى تدريبي يعتمد على التجربة والممارسة.
✓ تدعيم التحليل المنطقي: المزاوجة بين المعايير العالمية والخصوصيات الوطنية وخلق برنامج كشفي مبتكر ذا صلة الذي من شأنه تزويد الشباب بمهارات القرن وتقنيات العصر ضمن المتطلبات العالمية. مع قدرته في الوقت ذاته على استخدامه هذه المهارات في سياق يخدم قضاياهم ومجتمعهم المحلي ضمن المتطلبات الوطنية.
ويتمثل في مدى ملاءمة المراحل العمرية للفتية والشباب مع المحتوى الكشفي و الهدف التربوي.
تعتمد العملية الكشفية على تقسيم الأعضاء إلى مراحل عمرية مختلفة، بما يتناسب بين الأنشطة والمنهجية من ناحية والنمو البدني، والعقلي، والنفسي لكل فئة من ناحية ثانية.
بمعنى ان يتمّ التلاؤم بين المرحلة الفنية والفئة العمرية مع الأهداف التربوية، ونعطي أمثلة على ذلك :
° قسم العصافير ( 5 – 7 سنوات):من اهدافه التربوية: تنمية الحواس، حب الاستطلاع والمغامرة، التعرف على العائلة والوطن.
° الأشبال / الزهرات (7 – 12 سنة): يكون التركيز التربوي في هذه المرحلة على : التعلم بالممارسة، العمل الجماعي، الانضباط، الاستكشاف، وتنمية الثقة بالنفس.
° الكشافة / المرشدات ( 13 – 17 سنة): تتمثل الأهداف التربوية في تحقيق : مهارات القيادة، الاعتماد على الذات وتحمل المسؤولية، تقوية الإرادة، وتعزيز إمكانيات التكوين الذاتي (نظام الطليعة).
° الجوالة / الدليلات (17 – 23 سنة): القيادة المتقدمة، خدمة المجتمع (مشاريع تطوعية)، اتخاذ القرارات الصائبة، ومهارات الاتصال والتفاوض.
وفي إطار التحليل المنطقي، فإنّ هذا التقسيم المراحلي يضمن وبدرجة عالية، نجاعة العملية التربوية (Effectiveness).
هو تقسيم يقدم لكل فرد من اعضاء المجموعة الكشفية التحدي المناسب لقدراته الذهنية النمائية (مثل التعلم الذاتي)، ويحول عملية التدرج في المراحل ضمن نظام التدرج الشخصي، إلى مسار متكامل لتنمية القيادات بداية من الطفولة المبكرة وصولاً إلى مرحلة الشباب القادر على خدمة وتنمية المجتمع.
ونلخص ما سبق ذكره في انّ الطريق إلى التجويد المنتظر، أي تجويد العملية التربوية في الكشافة التونسية هو في حقيقة الأمر عملية النجاح في إدارة جودة شاملة (Total Quality Management) تطبق على المنتج الكشفي (وهو البرنامج التربوي) وعلى الهيكل المؤسسي للجمعية (وهو الوحدة، الفوج، الجهة، القيادة العامة).
قبل الختام، لا بد من الإشارة إلى أنّ تحقيق عملية التجويد، تتطلب ثلاثة أسس رئيسية وهي المرجعية، التكييف، والاستثمار البشري:
ونعني بها استخدام أداة تقييم الدعم العالمي (GSAT) أو نظام الجودة التونسي للكشافة التونسية (مثل نظام “متميزون” للكشاف والمتقدم، أو نظام “ف.ا.ف” للأشبال) كبوصلة لتحديد الفجوات ومجالات التحسين في الهيكلية والحوكمة والبرنامج الكشفي.
المقصود بالتكييف هو مراجعة البرنامج التربوي باستمرار لدمج القضايا التونسية الراهنة وتطلعات الشباب، مع الحفاظ على المبادئ الكشفية العالمية.
بمعنى تطبيق سياسة وطنية فعالة لتنمية القيادات تعتمد على التكوين العملي والمستمر، ضمانًا لتأمين إطارًا قياديًا مؤهلاً لتنفيذ البرنامج التربوي على أكمل الوجوه.
لا ننسى في نهاية هذا المقال ان نثمّن مع #خبراء_الكشافة_التونسية، جهود قيادات قسم الأشبال في اعتمادهم مبكرا نظام الجودة “فاف” لفرق الأشبال (#فرقة_أشبال_فاعلة) منذ حوالي عشرين عاما، ثم قيادات قسم الكشافة باعتمادهم نظام الجودة التونسي لمرحلتي الكشاف والكشاف المتقدم بعنوان “#متميزون” أنطلق العمل به خلال السنوات الثلاث الأخيرة. فلهم جميعا كل الشكر والتقدير على مبادراتهم الرائدة، مبادادرات جادة تستجيب للمواصفات العالمية والمحلية، لكنها تبقى دوما في حاجة الى المراجعة والتطوير في عمليات التجويد المتواصلة.
إعلامي وباحث تونسي
قائد تدريب بالكشافة التونسية

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *