Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
منصة رقمية خاصة، تُعنى بالسياحة والثقافة، والبحث العلمي
منصة رقمية خاصة، تُعنى بالسياحة والثقافة، والبحث العلمي


• محمد صالح بنحامد °:
احتضنت مدينة الثقافة الشاذلي القليبي بتونس نهاية هذا الاسبوع أشغال ندوة الرواية الليبية بتنظيم من بيت الرواية تحت اشراف وزارة الشؤون الثقافية التونسية، بمشاركة عدد من الروائيات والروائيين والباحثات والباحثين من ليبيا و تونس حول الرواية الليبية تأصيلا وتأويلا وتأكيدا.
فقد أسدل الستار مساء اليوم السبت 28 مارس 2026 على فعاليات ندوة أدبية بعنوان “الرواية الليبية: مسارات التأصيل والتأويل والتأكيد”، والتي عقدت بمدينة الثقافة في تونس على مدة يومي 27 و28 من شهر مارس الجاري لتعزيز الروابط الإبداعية بين البلدين. وشهدت الجلسات العلمية المؤثثة لهذه الندوة، نقاشات فكرية معمقة حول “تطور الخطاب السردي الليبي”، مع التركيز على قضايا “الهوية، والمنفى، وأدب المرأة”، وتأثير التحولات السياسية والاجتماعية على بنية النص.
كما سلطت المداخلات الضوء على “علاقة الرواية الليبية بالحداثة الغربية” والمنهجيات النقدية المعاصرة، مع استحضار أسماء بارزة مثل “إبراهيم الكوني” ودور الجوائز الأدبية في إبراز هذا المنجز عالميًا. وأبرزت كذلك سعي المثقفين لبناء “فضاء نقدي مشترك” يكسر العزلة الثقافية ويحتفي بالخصوصية المحلية في إطار إنساني شامل. وظهر من خلال الحوارات الثرية تطلع المشاركين لابتكار “أدوات نقدية ذاتية” تعيد قراءة الذاكرة والمخيال الليبي بعيدًا عن القوالب الجاهزة.

1. سياق الندوة وأهدافها العامة:
انعقدت هذه الندوة بتنظيم من “بيت الرواية” وبإشراف وزيرة الشؤون الثقافية، بهدف مد جسور التواصل الثقافي بين الأدباء الليبيين والتونسيين مركزة على بناء “فضاء نقدي مشترك” يثري الأدب العربي ويعلي من شأن الأصوات المغاربية، وتفعيل “الوحدة الرمزية” عبر السرد والفن حينما تعجز السياسة عن ربط الأوطان. بالإضافة إلى استكشاف خصائص الرواية الليبية وتحولاتها، خاصة في علاقتها بالهوية والسلطة والتاريخ.
2. المحاور الموضوعية والقضايا السردية:
تناولت المداخلات عدة قضايا جوهرية تشكل صلب المنجز الروائي الليبي، أهمها حضور الصوت النسائي، وثنائية المنفى والمكان، إضافة إلى تمثٌل الصحراء كعالم كوني، وللتوسع في هذه في هذه القضايا الجزهرية نوضح ما بلي:
* حضور الصوت النسائي:
شهدت الرواية الليبية صعوداً لافتاً لروائيات (مثل نجوى بن شتوان وأسماء جاري الكردي) تناولن الذات الأنثوية بصدق وعمق، مع انفتاح واضح على الحداثة الأدبية وتعدد الأصوات السردية.
* ثنائية المنفى والمكان:
طُرحت تساؤلات حول “المنفى” في الرواية الليبية، سواء كان منفى خارجياً أو داخلياً في المكان (كالعودة إلى البادية والصحراء والذاكرة الأولى). كما نوقشت كيفية إعادة بناء الهوية في نصوص المنفى وهل تظل إرثاً ثابتاً أم تتحول لعملية ديناميكية..
* الصحراء كعالم كوني:
برز اسم “إبراهيم الكوني” كأيقونة روائية استطاعت تحويل الصحراء من فضاء محلي إلى عالم أسطوري وعجائبي يطرق آفاقاً إنسانية وفرعونية قديمة.
* التحولات السياسية (بعد 2011):
ناقشت الجلسة الاولى برئاية الروائية الليلية الاستاذة فاطمة الحاجي، مدى نجاح الرواية في تصوير لحظات الفرد الليبي الحرجة بعد عام 2011 دون السقوط في فخ التقريرية الصحفية.
3. الرؤى النقدية والمنهجية
تطرقت الجلسات الاولى إلى واقع النقد المرافق للرواية الليبية من خلال الإطار النظري المتمثل في استحضار أفق “ما بعد الكولونيالية” عند إدوارد سعيد، ومفاهيم الهوية المترحلة عند جيل دولوز . وكذلك من خلال سؤال المنهج بالتساؤل عن مدى اعتماد النقد الليبي على المناهج الغربية مقابل الموروث النقدي العربي القديم، خاصة في فترات الحصار الثقافي. إضافة إلى رصد مدى تمرد الرواية الليبية المعاصرة على القوالب التقليدية للرواية العربية الكلاسيكية بمعنى “البحث عن التمرد”.
4. التوصيات والرؤى المستقبلية:
خلصت المداخلات في اليومزالأول الندوة إلى ضرورة ابتكار “طرق نقدية خاصة” تنبع من البيئة المحلية بدلاً من الاستعارة الدائمة للأدوات النقدية الغربية؛ وإلى تعزيز الجسور التاريخية بين الأندية الأدبية (مثل نادي القصة) والمجلات المتخصصة لضمان استمرارية التفاعل، والاعتناء بـ “الجغرافيا الإبداعية” وتحويل الأوطان من مجرد مساحات “مجروحة” إلى “حدائق” أدبية مزهرة.

لقد نجحت الرواية الليبية في توظيف التاريخ والتعامل مع التحولات الكبرى دون السقوط في فخ التقريرية الجافة أو الخطاب الصحفي من خلال عدة استراتيجيات فنية وسردية ذكرتها جلسات هذه الندوة، أبرزها:
* تعدد الأصوات وكسر خطية الزمن:
استفادت الرواية الليبية من الحداثة الأدبية عبر استخدام **تعدد الأصوات السردية** بدلاً من الراوي الواحد المسيطر، وعمدت إلى **كسر خطية الزمن**، مما جعل النص يتجاوز السرد التاريخي المتسلسل إلى فضاءات تخييلية أرحب.
* استحضار الموروث والأسطورة:
نجح الروائيون الليبيون في استدعاء “التناص مع التراث والأساطير”؛ فعلى سبيل المثال، استطاع “إبراهيم الكوني” تحويل الصحراء من مجرد مكان جغرافي أو تاريخي محلي إلى عالم كوني يعج بالخرافات والرموز الأسطورية، وصولاً إلى استحضار العصور الفرعونية القديمة، مما أبعد النص عن التقريرية المباشرة
* التركيز على “لحظات الفرد الحرجة”:
بدلاً من رصد الأحداث السياسية كوقائع مجردة، ركزت الرواية (خاصة بعد عام 2011) على تصوير “التحولات الكبرى من خلال أزمات الفرد” ولحظاته التاريخية الحرجة، مما ساهم في امتصاص المتغيرات السياسية داخل الخطاب الروائي دون التحول إلى مجرد توثيق صحفي.
* تحويل الهوية إلى عملية ديناميكية:
لم تكتفِ الرواية الليبية (خاصة نصوص المنفى) باسترجاع التاريخ كإرث ثابت، بل جعلت من إعادة بناء الهوية “عملية ديناميكية متفاعلة” مع الثقافات الجديدة، مما منح النص عمقاً نقدياً يتجاوز مجرد الحنين إلى الماضي أو التقرير عنه.
* الموازنة بين المحلي والإنساني:
حققت الرواية توازناً دقيقاً بين “البعد المحلي” الخالص (مثل تفاصيل البادية والراعي والصحراء) وبين الأبعاد الإنسانية الشاملة، مما جعل الواقع التاريخي الليبي ينفتح على آفاق كونية.
بناءً على ما تقدم من المداخلات، يتبين أن هذا النجاح الفني يعود إلى قدرة الروائي الليبي على تحويل “الجغرافيا المجروحة” والتاريخ المضطرب إلى “حدائق إبداعية” تستخدم الفن كأداة للعبور فوق الأزمات.

لعب “المنفى” دوراً محورياً في تشكيل ملامح الرواية الليبية، حيث لم يقتصر تأثيره على كونه مجرد غياب مكاني، بل تحول إلى أداة فنية ونقدية لإعادة قراءة الذات والوطن وفق الآتي:
* المنفى داخل المكان:
برز في الرواية الليبية مفهوم “المنفى في المكان”، حيث يعود السارد (كما في أعمال أحمد يوسف) إلى فضاءات البادية والصحراء والذاكرة الأولى. هذا النوع من السرد يمثل محاولة لاستعادة الكنوز المعنوية والهوية الأصيلة من خلال الرموز المحلية مثل “الراعي” و”الشجرة”، كنوع من الاغتراب داخل الوطن نفسه أو العودة إليه تخييلياً.
* الهوية المترحلة والهجينة:
يطرح المنفى تساؤلات حول طبيعة الهوية؛ هل هي “هوية هجينة” (Hybrid Identity) تتشكل من التقاطع مع الآخر، أم هي “هوية مترحلة” تتمسك بمخزون الذاكرة والمخيال رغم البعد. وقد استلهم النقاد في هذا السياق أفكار إدوارد سعيد حول “خارج المكان” لفهم كيفية بناء السرديات التي تكتب من منظور المنفى.
* المنفى كعملية ديناميكية:
في نصوص المنفى، لا تظل الهوية إرثاً ثابتاً وجامداً، بل تتحول إلى “عملية ديناميكية” تتشكل عبر التفاعل المستمر مع الثقافات الجديدة. هذا التفاعل يهدف إلى إعادة بناء “الذات” التي قد تكون ملامحها قد تغيرت أو “انمحت” نتيجة التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى.
* تحويل “الجغرافيا المجروحة” إلى إبداع:
ساهم المنفى في دفع الروائيين الليبيين للبحث عن “قنوات عبور” جمالية، حيث يتم استثمار ألم الاغتراب لتحويل الأوطان من “سجون” أو “صحاري حربية” إلى “حدائق إبداعية”. فالأدب هنا يصبح “الوجه المشرق من الكارثة”، حيث يبتكر الروائي لنفسه طريقاً يجمع بين المحلي والكوني
.
* تجاوز المحلية نحو الكونية:
كما في تجربة “إبراهيم الكوني”، ساعد التباعد المكاني (المنفى) على تحويل الفضاء المحلي (الصحراء) إلى “عالم أسطوري وعجائبي” يخاطب الإنسانية جمعاء، مستحضراً التاريخ القديم والأساطير ليعيد تعريف الهوية الليبية في إطار كوني واسع.

لقد ساهمت الرواية الليبية في بناء “فضاء نقدي مغاربي مشترك” من خلال عدة مسارات تكاملية رصدتها مداخلات الجلسات العلمية، ويمكن تلخيص هذه المساهمة في النقاط التالية:
* تقاسم الهموم والقضايا الكبرى:
تلتقي الرواية الليبية مع نظيرتها التونسية والمغاربية في طرح “هموم المنطقة” المرتبطة بالعلاقة مع “التاريخ، السلطة، الحرية، والهوية”. هذا التقاطع الموضوعي جعل الحوار بين التجربتين دعوة صريحة لبناء فضاء نقدي يثري الأدب العربي ويعلي من شأن الأصوات المغاربية في المشهد الأدبي العام.
* تفعيل المبادرات المؤسسية والجسرية:
لعبت مؤسسات مثل “بيت الرواية” دوراً حيوياً في تقريب الكتاب الليبيين من التونسيين للتعرف على خصائص السرد الليبي. كما أشارت المداخلات إلى وجود “جسور قديمة ووطيدة” تمثلت في التعاون السابق بين “نادي القصة” و “الدار العربية للكتاب”، وتخصيص مجلات لبحث العلاقات الأدبية والأساليب الفنية المشتركة.
* خلق “وحدة رمزية” عبر السرد:
في ظل إخفاقات السياسة، نجح السرد والفنانون في ربط القنوات والعبور الجمالي بين “الأوطان المجروحة”، مما خلق نوعاً من الوحدة الرمزية التي تتجاوز الحدود الجغرافية. هذا الفضاء يسمح برؤية “الوجه المشرق من الكارثة” وتحويل الأوطان من فضاءات صراع إلى “حدائق إبداعية” مشتركة.
* التفاعل المنهجي والنظري:
طرحت الندوة ضرورة ابتكار “طريق نقدي يجمع المغاربة”، بحيث لا يكتفي النقاد باستلاف الأدوات من المناهج الغربية (مثل رولان بارت ودولوز)، بل يبحثون عن أدوات تنبع من “الجغرافيا الإبداعية” المحلية لرفع راية “المحلي” كبديل عن “الكونية الغربية”.
* تجسير العلاقة بين الحداثة والتراث:
ساهمت الرواية الليبية في هذا الفضاء عبر الانفتاح على الحداثة الأدبية (تعدد الأصوات، كسر خطية الزمن) مع استحضار التراث والأساطير. كما قدمت نماذج كبرى (مثل إبراهيم الكوني) استطاعت تحويل الفضاء المحلي (الصحراء) إلى عالم كوني أسطوري، مما وفر مادة نقدية دسمة للنقاد المغاربة لدراسة تداخل المحلي بالكوني.
* بناء “ديناميكية الهوية”:
ساعدت سرديات المنفى الليبية في فتح نقاش نقدي مغاربي حول “الهوية المترحلة” و”الهجنة”، وكيفية إعادة بناء الذات في نصوص المنفى، مما يتقاطع مع تجارب روائية مغاربية أخرى كتبت من الخارج.

باختصار، لم تكن الرواية الليبية يوما، مجرد منجز محلي، بل كانت “منطلقاً وبوصلة” لبناء جسور تواصل مع الرواية في تونس والجزائر، مما يعزز فكرة التجربة الإنسانية والإبداعية الواحدة في المنطقة المغاربية.
نكتفي في هذا الجزء الاول من التغطية الإعلامية والعلمية لليوم الاول من ندوة الرواية الليبية بهذا القدر على تواصل تغطية الثاني في مقال لاحق باذن الله.
°محمد صالح بنحامد
إعلامي تونسي وباحث في اللغة والادب العربية.
كلية الاداب والفنون والانسانيات بجامعة منوبة.