أِسدل الستار هذا العام (2025) على أشغال الملتقى العلمي الدولي حول “الإمام محمد الطاهر ابن عاشور: أسئلة المعرفة وقضايا الواقع”، المنتظم باحدى الوحدات السياحية في العاصمة تونس،تحت اشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وجامعة الزيتونة بتنظيم من المعهد العالي لأصول الدين بالتعاون مع المعهد العالي للحضارة الإسلامية.
تضمنت هذه الدورة في نسختها الثانية، ثمان جلسات علمية موزعة على محاور ثلاثة وهي : ابن عاشور وسؤال العلم والمعرفة، الواقع والقيم والمعاملات، واسس التقدم والتجديد والاستشراف. وساهم في تأثيث هذه الجلسات العلمية الثمان على امتداد ايام الملتقى الثلاثة (28-30 أكتوبر 2025)، ثلة من الخبراء والباحثين والعلماء يمثلون جامعات علمية ومراكز بحوث من دول صديقة وشقيقة نذكر منها: تونس، الجزائر ، ليبيا ، المغرب، سلطنة عمان، وباكستان.
وحول ترجمة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، ذكر الدكتور فتحي القاسمي المنسق العام لأشغال الملتقى، أن العلامة الطاهر ابن عاشور وُلد بالمدينة العتيقة في ربض باب سويقة بتونس في شهر سبتمبر من العام 1879م، وينتمي إلى أسرة علمية تونسية أندلسية، نشأ في رحاب أسرته القاطنة بنهج الباشا، وحفظ القرآن في كتّاب سيدي بوحديد غير بعيد عن المنزل، وتعلّم الفرنسية ببيته، ثم إلتحق بجامع الزيتونة وتتلمذ على أيدي صفوة من العلماء بالجامع المعمور من المذهبين المالكي والحنفي.
في العام 1896م، تحصل ابن عاشور على شهادة التطويع في سن دون العشرين، وعلى إجازات في رواية الحديث النبوي من كبار الشيوخ امثال سالم بوحاجب، عمر بن الشيخ، محمد العزيز بوعتور، ومحمود بالخوجة.
منذ سنة 1903م انخرط في سلك مدرسي جامع الزيتونة وسرعان ما تميز عطاؤه مرتقيا بذلك إلى الدرجة الأولى في هذا السلك وكان يدرّس اللغة والبيان وأصول الفقه ومقاصد الشريعة والحديث والتفسير، كما درّس خلال الفترة الممتدة بين 1905 و1932 بالمدرسة الصادقين.
كان الأمام الطاهر ابن عاشور شديد الواقع بالتدريس حيث قدم مشروعا متكاملا لإصلاح التعليم الزيتوني سنة 1908م، ثم سُمّي قاضيا وقد قضى في خطة القضاء عشر سنوات ثم عاد إلى التدريس مرة أخرى في العام 1923م بجامع الزيتونة، واسندت إليه خطة باش مفتي، ثم سمي في العام 1932م شيخ الاسلام المالكي وتولى إدارة مشيخة جامع الزيتونة المعمور. وقد عزز وهو على رأس مشيخة الجامع الأعظم فروع المشيخة من ثمانية (

إلى خمسة وعشرين (25) فرعا، في الفترة بين عامل 1945 و1952م، منها فرعان للفتيات وآخران بمدينة قسنطينة الجزائرية.
اصبح ابن عاشور أول عميد لكلية الشريعة وأصول الدين من العام 1956 إلى 1960م. وقد انتخب عضوا مراسلا لمجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1950م، وعضوا مراسلا للمجمع العلمي بدمشق منذ العام 1955. في تونس ترأس الخلدونية وألقى فيها محاضرات عديدة كما شارك في جمعية قدماء تلامذة الصادقية وناديها الأدبي.
قدم شيخنا، عديد الدروس والمحاضرات في المشرق والمغرب العربيين وفي اسطنبول وأوروبا، وكان طوال سنوات عمرها الأربع والتسعين (94 عام)، لا يجد الأنس إلا في الدروس والقرطاس والقلم. توفي رحمه الله يوم 12 أوت 1973 بضاحية المرسى من مدينة تونس العاصمة.
خلّف الفقيد انتاجا علميا زاخرا ترواح بين المطبوع والمخطوط تذكر منه: تفسير التحرير والتنوير (طبعات عديدة)، أصول النظام الاجتماعي في الاسلام، تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة، مقاصد الشريعة الاسلامية ، أليس الصبح بقريب، النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح … الخ. أما مخطوطاته فمن أهمها، مجموعة فتاوى ورسائل فقهية، تراجم بعض الأعلام، أصول التقدم في الاسلام، شرح معلقة امرئ القيس، غرائب الاستعمال وتاريخ العرب وغيرها.