Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
منصة رقمية خاصة، تُعنى بالسياحة والثقافة، والبحث العلمي
منصة رقمية خاصة، تُعنى بالسياحة والثقافة، والبحث العلمي


18 جانفي 2026
الذكرى الثائنية لرحيل الشاعر الكبير محمد الغزّي
شعريّة قصيدة محمّد الغزّي القصيرة
أ. فتحي النصري
لم يخْلُ طور من أطوار الممارسة الشعريّة قديمها وحديثها من تنوّع في الأشكال الشعريّة. ومن أشدّ مظاهر هذا التنوّع جلاء وجود قصائد طويلة وأخرى قصيرة. فلا غرو أن يلتفت النقّاد إلى هذه الظاهرة ويميّزوا النصوص الشعريّة باعتبار أحجامها. فميّز النقّاد العرب القدامى “بين المُقَصَّرات والمُطوَّلات والمتوسّطات دون تحديد لعدد الأبيات التي يستوفي بها كلّ نمط حقيقة التسمية الخاصّة به” . وميّز المحدثون من النقّاد العرب بين “المطوَّلة” و”القصيدة القصيرة” و”القصيدة القصيرة جدّ” و”القصيدة الومضة” و” الإبيجرام” وغيرها من الوسوم التي دلّوا بها على قصر النصّ الشعريّ.
ولم يقتصر عمل النقّاد على تمييز القصائد القصيرة من الطويلة بناء على اعتبارات كمّيّة ، بل حاولوا تحديد معايير نوعيّة أو بنيويّة تسمح بهذا التمييز، ثمّ تعدّوا ذلك إلى الخوض في شعريّة الشكل الشعريّ. فأسندوا إلى كلّ شكل خصائص ومزايا وقد يصلون شعريّة الشاعر بنزوعه إلى مزاولة شكل بعينه وتفضيله إيّاه أو بقدرته عليه وإجادته فيه.
وفي اهتمامنا بقصيدة محمّد الغزّي القصيرة شيء ممّا ذكرنا. إذ يعود اشتغالنا بشعريّة القصيدة القصيرة في مدوّنة هذا الشاعر التونسي إلى أمرين .أوّلهما أنّ منجزه الشعريّ يندرج، إلاّ ما شذّ منه وندر، في ما يدرجه النقّاد، بالنظر إلى حجم النصّ على الأقلّ، في “القصيدة القصيرة” بل “القصيرة جدّا”. وثاني الأمرين أنّنا نعتقد أنّ ما يبين عن شعريّة الغزيّ ويظهر فرادتها إنّما هو كامن في قصيدته الحرّة القصيرة أساسا. ولكن علينا قبل الخوض في شعريّتها أن نقف في طور أوّل عند مفهوم القصيدة القصيرة عند من اشتغل بها من النقّاد وأن نتبيّن في طور ثان الخصائص البنيويّة التي تميّزها تمهيدا للنظر في خصائصها اللغويّة والإيقاعيّة والدلاليّة في منجز محمّد الغزّي الشعريّ.
مفهوم القصيدة القصيرة
عقد ابن رشيق في كتابه “العمدة في نقد الشعر وتمحيصه” مبحثا بعنوان ” باب في القطع والطوال”. وقد ألمّ في هذا الباب، على قصَرِه، بجملة من القضايا التي تتعلّق بهذا المبحث. وهي تتّصل بمعيار التمييز بين القصار والطوال وبدواعي الإطالة والتقصير وبالمقارنة بين هذين الشكلين الشعريّين. أمّا التمييز بين القطع والطوال فهو كميّ يتحدّد بعدد الأبيات. فا”لقصيد ما طالت أبياته” فلا يكون دون سبعة أبيات عند البعض ودون أحد عشر بيتا عند البعض الآخر . غير أنّ هذا التمييز الكمّيّ ينطوي على اعتبار فنّيّ. إذ الإطالة في القصيد تعني ضمنيّا اقتدارا فنّيّا وتمكّنا. وفي المقابل فإنّ القصر في القطع والنتف والرجز مقترن بالبداهة والارتجال.
ولا يكاد ابن رشيق يجزم بتفضيل شكل على آخر. وذلك أنّ الإطالة ميزة بعض الشعراء وكذلك التقصير ميزة آخرين. وهو ما يعني أنّ الشكلين مرتبطان بخصوصيّة شعريّة الشاعر، إذ قد يعجز المقطّع عن التطويل عجز المقصّد عن الاختصار . وفي المقابل علّق ابن رشيق حجم القصائد بغايات تداوليّة إذ “يحتاج الشاعر إلى القطع حاجته إلى الطوال” . وعلّل اختلاف الأحجام باختلاف الوظائف. فالإفهام والتأثير والإقناع تفترض الإطالة وتقتضي الوظيفة التذكّريّة القصر . وأضاف إلى ذلك عاملا آخر يتعلّق بأغراض القصائد ومعانيها، إذ “تُسْتَحبّ الإطالة عند الإعذار والإنذار والترهيب والترغيب والإصلاح بين القبائل (…) وإلاّ فالقطع أَطْيَرُ في بعض المواضع” .
ويورد ابن رشيق عدا ذلك بعض الروايات في المفاضلة بين الطوال والقصار. فقد “قيل لابن الزِّبَعْرَى :إنّك تقصّر أشعارك فقال: لأنّ القصار أَوْلَجُ في المسامع وأجْوَل في المحافل (…) وقيل للجمّاز: لم لا تطيل الشعر فقال: لحذفي الفضول” . فالمقصّر في الشعر يطمح إلى الإيجاز والتأثير الفوريّ في المتلقّي والانتشار لسهولة الحفظ “غير أنّ المُطيل أهْيب للنفوس من الموجز وإن أجاد على أنّ للموجز من فضل الاختصار ما ينكره المطيل” . فلا فضل لشكل على آخر ولا فضل لشاعر على آخر بالشكل الذي يمارسه. وإنّما لكلّ شكل خصائصه التي تميّزه ومقامه الذي يناسبه ومزاياه التي ينفرد بها. وتكتمل عُدّة الشاعر بالقدرة على الأشكال الشعريّة جميعا. فإذا “قطّع وقصّد ورجز فهو الكامل” .
وقد عني النقّاد العرب المحدثون بالأشكال الشعريّة. فلم يخْلُ النصف الأوّل من القرن العشرين من اهتمام بالقصيدة القصيرة وإن كان محدودا، من ذلك ما كتبه طه حسين عن الإبيجرام في مقدّمة مؤلّفه “جنّة الشوك” . وازدادت عناية النقّاد ولا سيّما أولئك الذين واكبوا الممارسة الشعريّة المنخرطة في الشعر الحرّ بدراسة الأشكال الشعريّة. فعقد عزالدين إسماعيل في كتابه “الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنّيّة والمعنويّة” (ط. 1، 1965) فصلا بعنوان “الإطار العام للقصيدة الجديدة وصور هذا الإطار وطريقة بنائه” تطرّق فيه إلى الخصائص التي تميّز القصار والطوال من القصائد. وأفرد علي الشرع للقصيدة القصيرة مؤلّفا بعنوان ” بنية القصيدة القصيرة في شعر أدونيس” .
وتتالت البحوث في الشكل الشعريّ في العقدين الأخيرين. ومن أحدثها دراسة أحمد الجوّة “من خصائص الخطاب الشعريّ في القصيدة القصيرة” وكتابه عن “المطوّلة في الشعر العربي الحديث” (2011) والعدد الخاصّ بالقصيدة القصيرة في مجلّة “قوافل” السعوديّة (أغسطس 2013) والعدد الخاصّ بالقصيدة الومضة في مجلّة “شعر” التونسيّة (العدد 3، 2019).
وقد صدر كلّ من عزالدين إسماعيل وعلي الشرع عن تصوّر الشاعر والناقد الأدبي الإنجليزي هربرت ريد Herbert Readلحدّ الطول والقصر في الشعر. وقد ورد هذا التصوّر في مقال نشره في كتابه Form in modern poetry (1932) ثمّ أعاد نشره في كتاب له بعنوان The nature of littérature ، وهو الكتاب الذي تولّى تعريبه عيسى على العاكوب بعنوان “طبيعة الشعر”. وعنوان المقال المقصود “بنية القصيدة” . وقد عني ريد فيه بالقصيدة الطويلة. وبعد أن يتساءل عن مقدار الطول الذي يسمح بإسناد هذه الصفة إلى القصيدة ينتهي إلى بطلان المعيار الكمّي وإلى ضرورة أن يستبدل به مقياسا نوعيّا، إذ “ثمّة اختلاف بين القصيدة القصيرة والقصيدة الطويلة ولكنّه ليس اختلافا في الطول بقدر ما هو اختلاف في الجوهر” . وقد أرجع ريد هذا الاختلاف إلى مسألة الغنائيّة، “فنحن غالبا ما ندعو القصيدة القصيرة قصيدة غنائيّة، وتعني هذه أساسا قصيدة قصيرة إلى القدر الذي يكفي لأن تعدّ للموسيقى وتغنّى ابتغاء إمتاع سريع” .
وقد يبدو من الوهلة الأولى أنّ ريد يطابق بين القصيدة القصيرة والقصيدة الغنائيّة. غير أنّ وجود قصائد غنائيّة غير قصيرة وقصائد غير غنائيّة، فلسفيّة على سبيل المثال، وغير طويلة جعل ريد يقرّر “أنّ الاختلاف بين القصيدة الطويلة والقصيدة القصيرة لا يمكن أن يوجد في طبيعة محتواها” وإنّما في طبيعة العلاقة بين الشكل والمحتوى أو البنية والتصوّر. وهو يعني بالبنية “تجسيد الكلمات في نمط أو شكل”، أمّا التصوّر فهو “إبراز لفكر الشاعر في عمليّةٍ تُوَلَّد الكلماتُ منها أو في أثناء تقدّمها” . ويذهب ريد إلى أنّ القصيدة تحدّد بأنّها قصيرة “حين يسيطر الشكل على التصوّر (…) إلى الحدّ الذي يكفي لرؤيته وحدة مفرَدة تدرَك منذ البدء إلى الانتهاء في توتّر عقليّ واحد” . وتحدّد القصيدة بكونها طويلة “حين يكون التصوّر معقّدا جدّا إلى حدّ يستدعي من العقل أن يتلقّاه في سلسلة مفكّكة مرتِّبا هذه السلسلة أخيرا في وحدة شاملة” .
ففي القصيدة القصيرة تقبض البنية على التصوّر دفعة واحدة في حين تتّسم البنية في القصيدة الطويلة بطابعها المركّب إذ توحّد بين عناصر منفصلة.
ولئن كان من الوجاهة تمييز القصيدة القصيرة في المستوى البنيويّ بالتحام الشكل والتصوّر في وحدة تنشأ دفعة واحدة، فإنّ باحثين آخرين اهتدوا إلى ثابت آخر إضافيّ يتمثّل في اختصاص القصيدة القصيرة بالبنية الثنائيّة. فقد ذهب علي الشرع بناء على تحليل قصائد قصيرة لأدونيس إلى أنّ البنية الثنائية التي ارتضى وسمها ببنية ” التأزّم والانفراج” أو “التحفزّ والتفريغ” ظاهرة بارزة في القصائد القصار . وقد رصد أحمد الجوّة بدوره حضور البنية الثنائية في نماذج شعرية لأدونيس وعبد العزيز الحاجي والمنصف المزغني وعدّها “ثابتا من ثوابت القصيدة القصيرة”
و قد أرجع علي الشرع هذه البنية الثـنائية إلى ما توصل إليه البـاحث ريـمون شينـدلين Raymond P.Sheindlin في دراسة له عن شعر المعتمد بن عبّاد من أنّ البيت الشعريّ القديم “يتألّف من تركيبين لغويين في التركيب الأوّل يستثير الشاعر توقّع القارئ أو تحفّزَه وفي الثاني يشبع هذا الشعور بالتحفّز” وهي بنية لغوية توافق “النظام الموسيقي المتمثل في تقسيم البيت الواحد إلى شطرين” . وقدّر من ثمة أنّ بنية القصيدة القصيرة الثنائيّة لا تعدو أن تكون استمرارا لهذه الظاهرة المميّزة لبنية البيت الشعري العربي القديم . وبغضّ النظر عن مدى وجاهة هذا الرأي الذي يرجع البنية الثنائيّة في القصيدة القصيرة إلى البيت ذي الشطرين وهو ما سنعود إلى مناقشته لاحقا، فإنّه أتيح لنا في بحث سابق أن نختبر تحقّق البنية الثنائيّة في قصيدة محمد الغزيّ القصيرة. غير أنّ طريقتنا في البرهنة على هذه الخصيصة كانت مختلفة.
البنية الثنائيّة في القصيدة القصيرة
إذا افترضنا أنّ القصيدة القصيرة نمط شعري له من الخصائص البنيويّة ما يميّزه من غيره من الأنماط فإنّه من البديهي أن يترتّب على هذا الافتراض أنّ هذه الخصائص البنيويّة متحقّقة في كلّ ما يُنمى إلى هذا الشكل الشعري من منجزات نصيّة وذلك بغضّ النظر عن التفاوت الكمّي الذي قد يكون بين قصيدة تتألّف من بيتين أو ثلاثة وتصنّف وفق ما راج في الخطاب النقدي المعاصر ضمن “القصيدة القصيرة جدّا” أو “القصيدة الومضة” وأخرى قد تبلغ الصفحتين ولكنّها توسم بدورها بالقصر.
وذلك أنّ القصيدة القصيرة مهما تضاءل حجمها تظلّ قصيدة أي بنية لغويّة وإيقاعيّة ودلاليّة قائمة بذاتها. ويمكن أن نفترض أنّ “القصيدة الأقصر” هي التي تتحقّق فيها هذه البنية بمقتضياتها الدنيا. ونفترض بناء عليه، حتّى يكون لسمة القصر إذ تستخدم في النقد الأدبي لتمييز نمط بعينه من القصائد، قيمة مفهوميّة أن تكون لهذه “القصيدة الأقصر” الخصائص البنيويّة نفسها التي تميّز أيّ قصيدة قصيرة مهما كان حجمها وإلاّ كانت هذه السمة مجرّد تعبير عن تقدير كمّيّ قابل لأن يلحظه أيّ متلقّ للقصيدة معاينة أو سماعا. وبناء على ما تقدّم نطمح إلى الإجابة عن السؤال التالي: هل لقصيدة محمّد الغزّي القصيرة خصائص بنيويّة تميّزها وتجعل سمة القصر فيها قابلة لتحديد نوعي يتعدّى المعيار الكمّي؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل ترجع هذه الخصائص البنيويّة إلى البنية الثنائيّة؟
تتواتر القصائد القصار التي لا تتعدّى الأربعة أبيات أي تلك التي قد يشملها مفهوم ” القصيدة الأقصر” تواترا ملحوظا في منجز محمّد الغزّي الشعري حتّى أنّ عددها بلغ ، بقصر الإحصاء على مجموعتي الغزّي الشعريّتين البكر ” كتاب الجمر كتاب الماء” والتي تلتها ” ما أكثر ما أعطى ما أقلّ ما أخذت”، 27 قصيدة من مجموع 81 قصيدة ( 11 من 38 في المجموعة الأولى و16 من 43 في المجموعة الثانية ). وهو ما يمثل نسبة الثلث وهي نسبة هامّة تسمح لنا برصد خصائص البنية في “القصيدة الأقصر” التي نفترض أنّها تحقّق بنية القصيدة القصيرة في شكلها الخالص النقيّ من الزوائد وذلك على افتراض أنّ سائر القصائد القصيرة ،مهما تفاوتت أحجامها، تشاركها هذه البنية ولكن ثمّة آليات حقّقت لها توسعا كمّيّا.
فإذا كانت القصيدة بنية لغويّة وإيقاعيّة ودلاليّة قائمة بذاتها فإنّ “القصيدة الأقصر” هي التي تحقّق هذه البنية بشروطها الدنيا فتتألّف من جملة واحدة وهذا الحدّ النحوي الأدنى ومن بيت واحد وهذا حدّ النظم الأدنى ويكون لها وحدة دلاليّة. وليست هذه البنية الشعريّة الدنيا مجرّد افتراض نظري إذ لها ترجمة فعليّة في الممارسة الشعريّة قديما وحديثا .
ولا نجد في مدوّنة الغزّي قصائد من بيت واحد وهو أمر مفهوم . ولكن في قصائده الحرّة التي لا يعدو طولها أربعة أبيات ما يحقّق الشكل النحوي الأدنى على غرار قصائد “اعتراف” و”ما الذي سأقول” و “تهامة” وهذا نصّها:
قلنا حين رأينا أرض تهامة تنأى
نحن سنبقى مهما غرّبت الخيل بنا
ملحَ صحاراها
ورُغاءَ قوافلها الظمأى
لقد تألّفت هذه القصيدة من جملة واحدة موزّعة على أربعة أبيات. غير أنّ البيت في القصيدة الحرّة لا يعدو أن يكون وحدة تقطيع إذ القصيدة الحديثة وإن كانت تقطّع إلى أبيات فإنّها لا تتكوّن مباشرة من أبيات. فمثلما أنّ كلّ جملة في اللغة لا تتكوّن من مجموع المفردات المتحاذية في السياق الكلامي وإنّما تتألّف من مكوّنات تكون مفردة أو مركّبة تُسمّى مكوّنات مباشرة Constituants immédiats فكذلك القصيدة لا تتكوّن من مجموع الأبيات المتتالية وإنّما من مكوّنات قد توافق حدودها حدود البيت وقد تتعدّاها. ونقترح أن نسمّي هذا المكوّن المباشر للقصيدة المكوّن الشعري المباشر.
وإذا تأمّلنا قصيدة “تهامة” وهي قصيدة من الشعر الحرّ تشكّلت من جملة واحدة وبنيت على تفعيلة الخبب بما يطرأ على صيغتها النظريّة (فعِلن) من تغييرات أجازها النظم الحرّ(فعْلن- فاعلُ) أمكننا تمييز مكوّنين شعريين مباشرين مكون أوّل يوافق البيت الأوّل ويشمل في المستوى النحوي النصّ الأصلي الذي يتضمّن فعل القول (قلنا) وملابساته (حين رأينا أرض تهامة تنأى) ومكوّن ثان يشمل مقول القول:
نحن سنبقى مهما غرّبت الخيل بنا
ملح صحاراها
ورغاء قوافلها الظمأى
أمّا في المستوى الإيقاعي فقد تشكّل المكوّن الأوّل من تكرار تفعيلة الخبب ستّ مرّات وانتهى بقافية (تنأى) في حين توزّع المكوّن الثاني على ثلاثة أبيات انتهت بدورها بقافية (ظمأى) وهو ما يعني أنّ القافية تضطلع علاوة على دورها في توليد الإيقاع بوظيفة إضافيّة (هي وظيفة بنائيّة) تتمثّل في الفصل بين المكوّنين المباشرين وتعيين حدود كلّ منهما .
إنّ وحدة القصيدة تحقّقت بالعلاقة بين هذين المكوّنين المباشرين فبتظافرهما اكتملت نحويّا وإيقاعيّا ودلاليّا وتمّ لها أن تكون بنية شعريّة قائمة بذاتها. غير أن لكلّ من هذين المكوّنين دورا مخصوصا يرجع إليه في إنجاز هذه البنية. فالمكوّن الأوّل يقدح سيرورة البناء بمستوياتها المختلفة وينشئ انتظارا وتوقّعا والمكوّن الثاني يكمّل هذه السيرورة ويشبع التوقّع.
وعليه فإنّ المكوّن الشعري المباشر بنية لغويّة وإيقاعيّة تنطوي على انسجام داخليّ مّا وترتبط ضرورة بمكوّن شعريّ آخر على الأقلّ لتكُون ثمّة وحدة شعريّة أي ليتحقّق مفهوم القصيدة باعتبارها بنية قائمة بذاتها. فمثلما أنّ الجملة لا تكون إلاّ بمكوّنين ضروريين هما المسنَد والمسند إليه فإنّ القصيدة لا تكون إلاّ بمكوّنين شعريّين على الأقلّ.
ونخلص ممّا تقدّم إلى أمرين الأوّل أنّ ” القصيدة الأقصر” هي تلك التي تحقّق البنية الشعريّة بمقتضياتها اللغويّة والإيقاعيّة الدنيا والثاني أنّ هذه البنية ثنائيّة بالضرورة لأنّها حاصل العلاقة بين مكوّني القصيدة المباشرين. ويبقى أن نثبت انّ البنية الثنائيّة خصيصة ثابتة في قصائد محمّد الغزّي القصيرة بغضّ النظر عن تفاوت أحجامها.
البنية الثنائيّة في قصيدة الغزّي القصيرة
يمكن رصد البنية الثنائيّة في قصائد محمّد الغزّي التي لا تتعدّى ثلاثة أو أربعة أبيات بيسر. وذلك أنّ البنيتين النحويّة والإيقاعيّة تتآزران على تجسيمها. ففي المستوى النحوي ينزع الشاعر إلى استخدام التراكيب التلازميّة الظرفيّة والشرطيّة والطلبيّة المُرْدَفة بالتعليل بحيث تقطّع هذه التراكيب تقطيعا ينسجم مع مكوّنات البناء الإيقاعي الذي تتكفّل القافية الموحّدة فيه بضبط حدود المكوّنين المباشرين للقصيدة على غرار ما يلاحظ في النصّ التالي وعنوانه “علّمني الشيخ” :
حين علّمني الشيخ يا أبتي
ان أرى الله في اللوح والورقهْ
أصبح القلب في صحوه غائبا
وغدتْ في سلاسلها الروح منعتقهْ
فقد شغل المكوّن المباشر الأوّل البيتين الأوّل والثاني ووافق حدود المفعول فيه للزمان (جملة الظرف) وانتهى بقافية وشغل المكوّن الثاني البيتين الثالث والرابع واستقلّ بالحدث الرئيس (جواب الظرف) وانغلق بتكرار القافية نفسها. وقد اضطلع المكوّن الأوّل بتقرير أمر (حصول الرؤية) وكشف المكوّن الثاني عمّا ترتّب عليه (الذهول والانعتاق). و قد تحقّقت وحدة القصيدة باعتبارها بنية لغويّة وإيقاعيّة ودلاليّة قائمة بذاتها بالعلاقة السببيّة بين المكوّنين.
وتحافظ القصيدة القصيرة في شعر محمد الغزي و مهما زاد عدد أبياتها على هذه البنية الثنائية ذلك أنّ توسّعها يتمّ بآليات لا تمسّ من هذه البنية. ومن هذه الآليات التفريع على غرار ما يلاحظ في قصيدة “الموت” :
إن يجئ قبل صياح الديك موتي
و يفتِّحْ باب بيتي
سأناديه تمهّل سيّدي
فعلى الأرض خمور لم أذق أطيبها
و ذنوب جمّة لم أقترف أجملها
فاذهب اليوم وذرني لغدِ
استغرق المكوّن المباشر الأوّل الأبيات الثلاثة الأولى وشمل الثاني الأبيات الثلاثة الأخيرة. وتشكل الأوّل من جملة الشرط و تكوّن الثاني من تعليل للطلب الوارد في مقول القول (تمّهل سيّدي) ومن طلب (فاذهب اليوم و ذرني لغد). ورسمت القافية الموحّدة (سيدي- لغد) حدود كل من المكوّنيين وعززت في الآن نفسه تجاوبهما الإيقاعي.
و أمّا التوسع فقد تمّ بتفريع مفعول الشرط في المكوّن المباشر الأوّل 🙁 إن يجئ قبل صياح الديك موتي/ و يفتّحْ باب بيتي) وتفريع التعليل في المكون المباشر الثاني: ( فعلى الأرض خمور لم أذق أطيبها/ وذنوب جمة لم اقترف أجملها). وقد اقترن هذا التفريع بظهور قافيتين فرعيّتين (موتي- بيتي) ثم (أطيبها – أجملها).
لقد حققت هذه القصيدة البنية الثنائية إذ تكونت مباشرة من مكوّنين أساسيين وهما مكوّنان ضروريان منزلتهما من القصيدة بمنزلة النواة الإسنادية الأساسية من الجملة. إذ إن مفهوم القصيدة لا يتحقق إلا بالعلاقة القائمة بينهما. غير أننا نلاحظ وجود بنية ثنائية فرعية داخل كل مكوّن منهما إذ نميّز في المكوّن الأوّل مفعول الشرط الذي استغرق البيتين الأول و الثاني في حين استقل الحدث الرئيسي بالبيت الثالث و نميز في المكون الثاني بين التعليل الذي شغل البيتين الرابع و الخامس و الطلب الوارد في البيت السادس. و لقد تم التوسع في هذه القصيدة بالبيتين الثاني والخامس. وهما بيتان يغنيان القصيدة إيقاعيا و دلاليا ولكنهما غير ضروريين من الناحية التركيبية لقيامها. فوضعهما في القصيدة كوضع المتمّمات في الجملة.
وقد تطول قصيدة محمّد الغزّي القصيرة بواسطة تكرار بنية معيّنة والتنويع عليها في عدد من المقاطع. ويكون المقطع الأخير بمثابة القفلة التي تحقّق البنية الثنائيّة وينغلق بها النصّ على غرار ما يلاحظ في قصيدة حلم التي نورد منها المقطع الأوّل:
عندما دخل الطفل حجرته المُقفرهْ
أبصَر الغابَ في حلمه قادما
وجبال الأقاليم منحدرهْ
بني هذا المقطع على جملة ظرفيّة وتكوّن من مكوّنين مباشرين شغل أوّلهما البيت الأوّل ووافق المفعول فيه للزمان (جملة الظرف) وشغل المكوّن الثاني البيتين الثاني والثالث وانطوى على الحدث الرئيس ( جواب الظرف). ويعضد البناءُ الإيقاعيّ التقطيعَ النحويّ إذ رسمت القافية الموحّدة (المقفرهْ – المنحدرهْ) حدود كل من المكوّنين اللذين يرتبطان بعلاقة سببيّة علّقت حدوث الرؤية أو الرؤيا باختلاء الطفل بنفسه في حجرته. والحقّ أنّ هذا المقطع يحقّق البنية الثنائيّة بالأسلوب نفسه الذي تجسّمت به في قصيدة “علّمني الشيخ” التي وقفنا عندها أعلاه. وهو ما يعني أنّه يحقّق بمفرده مفهوم القصيدة القصيرة. غير أنّ الغزّي عمد إلى تمديد القصيدة عبر تكرار البنية النحويّة والإيقاعيّة والدلاليّة نفسها في ستّة مقاطع أخرى على هذا النحو الذي نلمسه في المقطعين الثاني والثالث:
عندما غلَّق الطفلُ أبوابَه المُشْرَعَهْ
أبْصر البيتَ في حُلْمه مركبًا
وستائرَ حجرته أشْرِعَهْ
عندما أغلق الطفل أعْيُنه المُتْعَبَهْ
أصبح النجم في حلمه مُهْرَةً
وسرير طفولته عربَهْ
ولم يخرج المقطع الأخير عن تكرار البناء النحوي والإيقاعيّ نفسه:
عندما أمعن الطفل في الرحلة المذهلهْ
أبصر الله بالأرض محتفلا
ورأى الأرض بالله محْتَفِلَهْ
ولكنّه جاء ليردّ التنوّع إلى الوحدة ويرجع مختلف الرؤى والتجلّيات في “الرحلة المذهلهْ” إلى ضرب من الحلوليّة أو وحدة الوجود. وبذلك يضطلع المقطع الأخير بوظيفة القفلة التي وضعت حدّا للتنويع على أصل واحد بالكشف عن ماهيّة الرحلة وإغلاق المسار الذي افتتح في المقطع الأوّل واستمرّ على المنوال نفسه في خمسة مقاطع أخرى. وهو ما جعل مقاطع القصيدة الستّة الأولى بمثابة المكوّن الشعريّ المباشر الأوّل، وغدا المقطع الأخير بمثابة المكوّن الشعري المباشر الثاني الذي به تحقّقت بنية ثنائيّة في مستوى أعلى من تلك المتحقّقة في كلّ مقطع على حدة. وهو ما أمّن الترابط والانسجام بين مقاطع القصيدة وحقّق لها وحدتها. وقد توخّى محمّد الغزّي هذا الأسلوب في تمديد القصيدة القصيرة في عدد من القصائد منها”رباعيّات الفرح” و”قبل أن تبلغ القيروان” .
ويتّضح ممّا تقدم أنّ القصيدة القصيرة في شعر محمّد الغزي ذات بنية ثنائية باعتبار قيامها على العلاقة الضرورية بين مكوّنين شعريين مباشرين. غير أنّ التفاوت في أحجام القصائد القصار يعود إلى آليات تسمح بتوسّع القصيدة منها التفريع و التمديد القائم على التنويع على أصل واحد. فهو إذن تفاوت كمّي وليس اختلافا بنيويّا. وما انتهينا إليه من النظر في منجز محمد الغزّي الشعريّ يوافق ما انتهى إليه عدد من الباحثين أشرنا إليهم، ويؤكّد أنّ البنية الثنائيّة خصيصة ثابتة في القصيدة القصيرة وإن كانت الأساليب التي بها تتحقّق قد تختلف من شاعر إلى آخر.
وقد عدّ بعض الباحثين هذه الخصيصة استمرارا للبنية الثنائيّة التي تميّز البيت ذا الشطرين في الشعر العربي القديم. ونحن لا نستبعد أن يتأثر الشاعر الحديث الذي يكتب القصيدة القصيرة الحرّة لا سيّما إذا نظرنا إلى نماذج أدونيس الشعرية التي أوردها علي الشرع ، ببعض خصائص البـيت الشعري العربي القـديم. و لكننا ننوّه بأنّ البنية الثنائية فيه متأتية من كونه يتألف من شطرين تفصل بينهما وقفة. و لهذا البناء الموسيقي أثره المحتوم في البنية اللغوية، وهو ما يفسر اشتراط القدامى الاستقلال التركيبي للصدر . فالبيت القديم ثنائي البنية أصلا في حين أنّ البيت الحر أحاديّ البنية أي أنه ذو “شطر واحد” على حد تعبير نازك الملائكة. و من ثمّة فإنّ ما يصدق على النمط الأول لا ينطبق بالضرورة على الثاني.
إننا أميل إلى تعليل آخر يصل البنية الثنائيّة في القصيدة القصيرة بأساس البناء في الشعر. ولرومان جاكبسون أطروحة شهيرة مفادها أنّ الشعر يعتمد على الترابط بالمشابهة لأنّ مفعوله مرتبط بصورة إلزاميّة بالمشابهة الإيقاعيّة. ويصل هذا الباحث مبدأ التوازي الإيقاعي الذي يميّز بنية الشعر بالمشابهة الدلاليّة. فالشعر ينزع إلى بناء معادلات في المستويين الصوتي والدلالي لأنّ التوازي الإيقاعي يكون أثرى عندما يعزّزه تكرار مواز في الكلمات والصور والمعاني . فالبناء في الشعر إذن قائم على مبدإ الرجوع أو التكرار. والتكرار في المستوى الإيقاعي يتحقّق في حدّه الأدنى بمعاودة الصورة الصوتيّة مرّتين على الأقلّ. والمشابهة الدلاليّة تقتضي طرفين على الأقلّ. وكذلك مختلف مظاهر التوازي الأخرى. ولمّا كانت القصيدة القصيرة وبغضّ النظر عن إمكانات توسّعها هي التي تتحقّق فيها البنية الشعريّة بمقتضياتها الدنيا تحقّقت فيها المشابهة الإيقاعيّة والدلاليّة بالحدّ الأدنى أي بالبنية الثنائيّة.
الثنائيّة في البنية الدلاليّة
إنّ البنية الثنائيّة لا تتجلّى في قصيدة محمّد الغزّي القصيرة في المستويين النحوي والإيقاعيّ إلاّ لأنّ الدلالة تقتضيها . فهي ثاوية فيها أصلا. وإذ تشمل هذه الخصيصة كافّة مكوّنات الخطاب فلأنّها ميزة خاصّة بطريقة ذات في ابتكار خطابها وتخلّقها بواسطة هذا الخطاب، أو هذا ما يفترضه مفهوم التذويت Subjectivation.
وقد تجسّمت هذه الخصيصة بصورة جليّة في قصيدة “موت” التي سبق ذكرها. فقد دار المعنى فيها على ثنائيّة الموت والحياة. وقد وسمت المقابلة بينهما بنية هذه القصيدة التي بنيت على مكوّنين شعريّين مباشرين. وكان مدار الأوّل على افتراضٍ وطلب:
إنْ يجئْ قبل صياح الديك موتي
ويُفَتِّحْ بابَ بيتي
سأناديه تمهّل سيّدي
ومدار المكون الثاني على تعليل وطلب:
فعلى الأرض خمورٌ لمْ أذقْ أطيبها
وذنوبٌ جَمَّةٌ لم أقترف أجملها
فاذهبِ اليوم وذَرْني لغَدِ
وقد قامت البنية الايقاعية على تناظر المكونين الذي نتبينه في عدد الأبيات. فكل مكوّن يتكون من ثلاثة أبيات. ونتبيّن التناظر في نظام القافية (تاء، تاء دال ، هاء،هاء،دال). وقد دار المكوّن الأول على الموت والثاني على الحياة. وينمّ هذا التناظر عن وعي فني مهندس وإرادة تنظيم تطلب التناغم والانسجام. وليست وظيفة التناظر في هذا السياق إظهار التقارب أو التماثل بل إبراز التضاد بين الموت والحياة. فالمكون الثاني من القصيدة ينسخ المكون الأوّل. وتجد ذات القصيدة حلاّ للموت في الإعلاء من شأن الحياة. وبهذا تتجاوز التناقض بين ثنائية الموت والحياة وتستعيد الإحساس بالوحدة والتماسك.
إن المكون الأول يقرّ حقيقة الموت. وهو أمر حتمي له آن غير معلوم، و لكنه ٱت لامحالة. ويشير “صياح الديك” إلى هذه الحتميّة أو إلى لحظة اليقين. ففي العشاء الأخير يقول المسيح لبطرس “ستنكرني قبل صياح الديك ثلاثا “. وهو ما كان. وتشير الزيادة في الفعل “يفتّح” إلى أن الباب يفتح كَرْها وعنوة. فجاء الردّ بطلب مهلة أو بإرجاء الموت حتى تتنعّم الذات بنصيبها من بالحياة. وبهذا الإرجاء تتخطى الذات الموت أو تصالح هذه الحقيقة. فهي لا ترفض الموت ولكن تؤجله طلبا لفسحة في الحياة، شأنها في ذلك شأن القائل:
إذا كنت لا تسطيع دفع منيتي فدعني أبادرْها بما ملكَتْ يدي
إن البحث عن الانسجام واستعادة التوازن يتجلّى في البنية الإيقاعية بين المكونين اللذين ينغلقان بالقافية نفسها وهو ما يحقّق الدوريّة، ويحرر الذات من الزمن الخطي المسترسل. فالبحث عن التناغم في القصيدة عبر الإيقاع هو بحث عن التناغم في الحياة بتجاوز التناقض. إن الإقبال على الحياة يغدو ردا على الموت. وكذلك القصيدة هي سعي إلى تجاوز الموت عبر اختزال الوجود في بنية فنية ترنو إلى البقاء والتحرر من ربقة الزمن.
ومن الجليّ أنّ هذا الموقف لا ينسجم مع الرؤية الصوفيّة التي قد يُرَدُّ شعر محمّد الغزّي إليها ، إذ من مبادىء الصوفية العرفانيّة إماتة الحواس وقتل النفس حتى تتجرد من كل نزوع إلى الشهوات. فالموت في النظرية الصوفية لا يمكن أن إلاّ يكون إيذانا بخلاص الروح من أدران الجسد ودنس المادة. ولكن على خلاف ذلك يبدو الشاعر مفتتنا بالحياة طالبا المتعة واللذة. وما الشعر عنده إلا وجه من وجوه هذه اللذة. فالقصيدة تحقق لذة حسية باستعادة متعة اللعب ولكن بالكلمات. يقول محمّد الغزّي في شهادة تصف تجربته الشعريّة . “كانت علاقته بالشعر منذ البدء علاقة قارىء تستدرجه الكلمات فيسعى إلى تعقّبها مستعيدا عن طريقها جنوحه القديم إلى اللعب من حيث هو احتفاء بالأشكال لا بالجوهر، وبالأعراض لا بالأغراض”. ويتيح الالتذاذ بجمالية القصيدة وما تنطوي عليه بنيتها الفنية من تنظيم هندسيّ صارم للذات استعادة توازنها ورأب الصدع في الوجود ولو إلى حين. فلا انفصال بين فتنة القصيدة وفتنة الحياة. يقول محمد الغزي في شهادته “ولعل افتتانه باللغة يعود أساساً إلى افتتانه بهذا العالم” . فبالشعر يردّ الشاعر على سؤال الموت.
وقد وسمت البنية الثنائيّة قصائد محمّد الغزّي القصيرة بخصائص بلاغيّة تبين عنها أو عن بعضها قصيدة “وحشة” :
لم تَشُقْني رِكابُ أحبّتنا الراحلهْ
فأنا حين يوحشني من أحبُّ
أخلّف طيبَ مجالسكم
وأفيء إلى وحشتي الآهلهْ…
تشكلت القصيدة من مكونين شعريّين مباشرين. ففي المكوّن الأول:
لم تَشُقْني رِكابُ أحبّتنا الراحلهْ
تقريرُ أمر، وهو أنّ القافلة المرتحلة لم تهِج أشواق الذات المتلفّظة. وفي المكوّن الثاني:
فأنا حين يوحشني من أحبُّ
أخلّف طيبَ مجالسكم
وأفيء إلى وحشتي الآهلهْ
يعلّل الأمر المثبت في المكوّن الأول.
ونلاحظ في المستوى البلاغي نزوعا إلى استخدام المقابلة (أخلّف ، أفيء) (لم تشقني، يوحشني) كما وظف الشاعر الطباق أو نوعا منه هو الطباق الضدّي Oxymore الذي جمع في مركّب نعتيّ بين كلمتين متضادّتين لا تجتمعان منطقيّا (الوحشة الٱهلهْ) . ووظيفة هذا الضرب الأخير من الطباق إبراز المفارقة. وهي إقرار أمر يستفزّ الفكر لاحتوائه على تناقض قصد إثبات فكرة معينة .
والقصيدة مبنية على المفارقة لأنّه يُفترَض أن نشعر بالشوق إلى الأحبة مثلما يُفتَرَض بالمشتاق أن يسعى إلى من يحبّ لا أن يتركه. والمفارقة الثانية تكمن في أن الوحشة موحشة لا ٱهلة. فقد عادت لفظة “وحشة” الماثلة في العنوان في ٱخر القصيدة وقد غدت معرفة بالإضافة إلى المتكلّم. و خُصّصت في النص بصفة “الٱهلة”. والمكان الٱهل ما كان معمورا و الحيوان الٱهل ما كان أليفا على خلاف الوَحْش. فمعنى الوحشة قد نُقِضَ إذ أفرغت من معناها الأصلي، بل شحنت بنقيضه وغدت أنسا عندما أضيفت إلى المتكلم الذي لا يجد في الاختلاء بالذات وحشة .
و دلالة هذا النقض تتضح بشكل أفضل حين نصله بالمقابلة بين المتكلم المفرد من ناحية والغائبين الجمع أو المخاطبين من ناحية أخرى. و تزداد هذه المقابلة وضوحا حين نصلها بسياق الرحلة (لم تشقني ركاب أحبّتنا الراحله). وتقترن الرحلة بغايات ماديّة أو معنويّة أو روحيّة ( طلب الكسب أو المعرفة أو الحجّ إلى مركز روحي…). وتعبّر الرحلة حسب يونغ عن رغبة عميقة في التغيير الداخلي والبحث عن تجارب جديدة. وبهذا المعنى تعكس الرحلة حالة من عدم الرضا بما هو كائن. فهي لا تعني انتقالا في المكان بقدر ما هي تحوّل في الدخيلة وسفر في أعماق الذات. فالمتكلم في القصيدة لم تشقه ركاب الأحبّة الراحلة لأنّ ما يطلبه ليس موجودا خارج ذاته وإنما هو فيها.
إنّ رحلة الأحبّة انتقال في المكان لغاية ماديّة إذ تحيل الركاب غالبا إلى الإبل وهي مال. وتندّ رحلة الذات المتكلّمة عن مثل هذه الغاية. فهي تفرّ من الوحشة إلى الأنس. ولكنّها لا تجده في الكثرة بل في الوحدة والعزلة التي تتيح السفر داخل الذات، إذ لم توحشها في حقيقة الأمر غير ذاتها. و بهذا المعنى تصبح دلالة الرحلة مرتبطة بسبر أغوار الذات رفضا لحالة الانفصال عنها وطلبا لما هو صميم وجوهريّ. ولذلك كانت وحشتها آهلة على خلاف الاتجاه إلى الخارج أو الرحلة في المكان التي قد تحقق غايات مادية ولكنّها لا تحقق امتلاء الذات. ولذلك لا تأبه ذات القصيدة بالركاب الراحلة ولا المجالس وما فيها من طيبات. وهي إذ تعرض عن الزائل والعارض فلأنّها لا تمتلىء إلا بما يحقق الذات في أبعادها المتّصلة بالكينونة. إنّ القصيدة قائمة على المقابلة بين رحلتين رحلة إلى الخارج لطلب المكاسب المادية ورحلة أخرى روحية إلى الداخل، هي في نهاية المطاف رحلة الشاعر الغنائي في أغوار النفس لاكتشاف الذات وبناء الهويّة الغنائيّة. وهي، أي هذه الهويّة، ليست معطى حاصلا قبل القصيدة وإنّما تتحقّق بها وداخلها.
وقد وسم نهوض القصيدة على المفارقة بنيتها البلاغيّة باستخدام المقابلة والطباق. وللغزي ولع بهذا الضرب من الصور. وقد أشار إلى ذلك في شهادته يقول “أجل إنه يؤمن أن الشاعر قرين الخيميائي الذي يكره المعادن على التزاوج رغم اختلاف طبائعها ابتغاء الظفر بمعدن جديد يختلف عن المعادن الأولى اختلاف تباين وافتراق. على أساس من هذا قام شعره على استخراج الأضداد و التصالح بعد تنافر(…) لكن استخدام المقابلة وقرينها الطباق هو أيضا إحالة على الجدل الذي يقوم عليه الوجود، إحالة على حركة الأضداد التي هي نسيج الحياة…” .” . ويجمع هذا التعليل الذي اقترحه الغزي بين ما هو فني وبين ما هو فكري أنطولوجي. وقد يكون صالحا لتفسير تواتر الطباق والمقابلة والنزوع إلى الجمع بين الأضداد في شعره عامة. وهو إذ يستدعيها فيه فللمصالحة بينها تجاوزا للثنائيّات وطلبا للوحدة.
غير أنّنا نضيف إليه تعليلا آخر يخصّ أسلوب الغزّي في بناء القصيدة القصيرة . فهي تجسّم ما ورد في أطروحة جاكبسون من نزوع للشعر إلى التوازي وبناء معادلات تشمل المستويين الإيقاعيّ والدلالي، إذ يعمد الغزّي إلى إظهار بنية قصيدته القصيرة الثنائيّة بوسمها نحويّا وإيقاعيّا وسما يرسم حدود المكوّنين المباشرين ويبرز التوازي بينهما. ويولّد هذا التوازي في البنية توازيا آخَر يتجلّى في انتقاء الكلمات وبناء المعنى، وتترجم عنه في المستوى البلاغيّ صور تحقّق التوازي بواسطة المشابهة على غرار التشبيه والاستعارة والجناس وأخرى تحقّقه بالتضادّ والمغايرة شأن المقابلة والطباق.
وإذا كانت البنية الثنائيّة في قصيدة محمّد الغزّي القصيرة تحضر بهذا الشكل اللافت وتتحقّق بهذا الجلاء بحيث يلمسها متلقّي شعره بيسر فلأنّ شعريّته أقرب ما يكون إلى تمثيل الجماليّة الأبولونيّة التي تميل إلى النظام وتنشد التناغم والانسجام. وهو ما جعل قصيدته القصيرة تشفّ عن إرادة تنظيم ووعي هندسيّ صارم يأسر في بنية منغلقة وجيزة رؤية شعريّة مكثّفة.
———————
نشر هذا المقال في مؤلّف جماعي، محمد الغزّي الشاعر الساحر، المؤسّسة الوطنية لنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافيّة والفنّيّة، تونس، 2022.