في بيت الرواية بمدينة الثقافة اليوم:
احتضن صباح اليوم الجمعة 7 نوفمبر 2025 فضاء راعي النجوم بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بتونس العاصمة جلسة أدبية تحت عنوان “تعالق الشعر بالسرد”، انتظمت بالتعاون بين بيت الرواية وجمعية ابن عرفة الثقافية ضمن تظاهرة
#الميعاد الشهرية للجمعية. وقد تميزت هذه التظاهرة الأدبية على مستوى نوعية الحضور ودسامة المحتوى.
ثمّن الحاضرون – من كتاب وشعراء وروائيين وباحثين – حسن اختيار المنظمون مسألة تعالق الشعر بالسرد محورا لهذه الجلسة الأدبية المتميزة في بيت الرواية، لأنها في الحقيقة مسألة بالغة الثراء والتعقيد، فهي تمثل إحدى السمات الأساسية التي شكلت الهوية الأدبية العربية عبر التاريخ ولا تزال.
ويذهب عديد الدارسين في الأجناس الأدبية، إلى أن هذا التعالق والتعانق بين الشعر والسرد لا يمثل مجرّد اقتران عارض بينهما ، وإنّما هو علاقة جدلية عميقة الجذور. ويمكن تحليل هذه المسالة بشيء من التوسع ومن عدة زوايا تشمل: الجذور التاريخية والتراثية، ابراز مظاهر التعالق والتعانق في المسألة، لماذا يلجأ الشعر إلى السرد؟ وكذلك لماذا يلجأ السرد إلى الشعر؟
1. في الشعر الجاهلي: لم يكن الشعر الجاهلي مجرد تعبير غنائي لحظي، بل كان سِفْرَ قبيلةٍ يسرد مآثرها ويحكي أنسابها ويخلد حروبها (الأيام). افتتاحيات القصائد (الطللية) مثل “قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل” هي مشاهد سردية تصف الأطلال وتستحضر ذكريات الماضي، مما يخلق إطارًا قصصيًا للقصيدة.
2. الشعر القصصي (الملحمي): على الرغم من ندرته مقارنة بالملاحم اليونانية، إلا أن هناك أمثلة على الشعر السردي الطويل الذي يحكي قصة، مثل “ملحمة عنترة” (وإن كانت نسبتها مثار جدل). كما أن بعض المعلقات تضمنت حكايات، مثل قصة “الملك سليم” في معلقة عمرو بن كلثوم.
3. المقامات: تمثل المقامات لأبي الفضل البديع الهمذاني وأبي محمد القاسم الحريري ذروة التزاوج بين السرد والشعر. فالنص نثري في أساسه (سرد لحيلة بطله)، ولكنه مُطعَّم بأبيات شعرية تزين السرد، وتُظهر براعة البطل اللغوية، وتعمل كعلامات إيقافية داخل النص. هنا، الشعر هو جزء عضوي من بنية السرد.
1. الحكاية في القلب من القصيدة: كثيرًا ما تبنى القصيدة العربية التقليدية على حكاية (أو خطاب سردي)، مثل قصائد الغزل التي تحكي قصة حب، أو قصائد الفخر التي تسرد الوقائع، أو القصائد الصوفية التي تسرد رحلة المعاناة والوصول.
2. التشخيص والتجسيد: يستخدم الشعراء تقنيات سردية مثل تشخيص الطبيعة (النجم، الريح، السيف) وجعلها شخصيات فاعلة في دراما القصيدة.
3. الحوار الدرامي: تدخل الكثير من القصائد في حوارات درامية، مثل الحوار بين الشاعر وصاحبته، أو بين الشاعر وخصمه، أو الحوار الداخلي (المناجاة). وهذا يجعل القصيدة مشهدًا تمثيليًا مصغرًا.
4. الانزياح السردي (الرؤية): يستعير الشعر الحديث تقنيات من السرد الروائي، مثل تيار الوعي، وتعدد الأصوات، وتشظي الزمن، وتغيير وجهات النظر (الرؤية من الداخل/من الخارج). لم يعد السرد خطيًا مباشرًا بل أصبح جزءًا من بنية القصيدة الانزياحية.
5. القصيدة السردية (الملحمية) الحديثة: ظهرت في الشعر العربي الحديث قصائد طويلة ذات طابع سردي واضح، تحكي قصة شخصية أو جماعية، مثل قصائد “المساء” و “الشارع” لعلي محمود طه، أو بعض قصائد أدونيس ومحمود درويش التي تخلط بين السيرة الذاتية وسيرة المكان.
1. إضفاء البعد الإنساني:
السرد يجعل التجربة المجردة (الحب، الحزن، الفرح) أكثر قربًا من القارئ بوضعها في سياق حياتي.
2. خلق التشويق والدراما:
العناصر السردية (الصراع، التطور، الذروة) تضفي على القصيدة طابعًا دراميًا يجذب المتلقي.
3. التعبير عن تعقيدات الواقع:
عندما يصبح الواقع معقدًا ومتشابكًا، لا يعفي التعبير الغنائي المجرد، فيلجأ الشاعر إلى السرد لرصد تفاصيل هذا الواقع وتشابكاته.
1. التكثيف والانزياح: اللغة الشعرية تمنح النص السردي قدرة على التكثيف والتلميح، وتخرجه من المباشرة والوصفية.
2. إضفاء البعد الرمزي والجمالي: القطع الشعرية داخل النثر تخلق “جزرًا جمالية” ترفع من مستوى النص وتضفي عليه طابعًا إيحائيًا.
3. كسر رتابة السرد:
تدخل الشعر يخلق إيقاعًا مختلفًا داخل النص السردي، ويكسر استمراريته الخطية.
تجدر الإشارة إلى أن العديد من النقاد من يحذر من “تسريد الشعر”، أي تحويله إلى حكاية مباشرة، مما يفقده خاصيته الأساسية وهي التكثيف والانزياح واللغوية.
والعكس صحيح، فالإكثار من الانزياح الشعري في السرد قد يجعله غامضًا ومتقعًا. ومع ذلك تبقى العلاقة بين السرد والشعر في اللغة العربية، علاقة تكافلية وليست تنافسية..
فهي حوار مستمر بين “الحكاية” و “الغنائية”، بين “الخطي” و”التفجري”، بين “العقل” المنظم و”الوجدان” المتوهج.
مهما اختلفت وجهات النظر ، فإن هذا التعالق في المحصلة، هو الذي أخرج لنا نصوصًا عربية خالدة، من المقامات إلى شعراء التفعيلة والقصيدة النثرية الحديثة، وهو ما يثبت مرونة اللغة العربية وقدرتها على استيعاب أشكال التعبير المتعددة والمتداخلة.
وفي الختام، يمكن تلخيص الفكرة المركزية في مسألة تعالق الشعر بالسرد بأن:
السرد هو الوعاء الذي يحمل التجربة الإنسانية في امتدادها الزمني، بينما الشعر هو البوتقة التي تصهر هذه التجربة لاستخلاص جوهرها الوجداني والمعرفي. وعندما يلتقيان، يولد أدبٌ يجمع بين حكمة الحكاية ودهشة القصيدة.
شكراً على مساهمة الجميع في تأثيث هذه الجلسة الأدبية المتميزة في بيتنا الثقافي العريق ..
#بيت_الرواية.